الإسلام وتشكيل الهويَّات في إفريقيا(1)

  • رقم الخبر 2575
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص نشأ لدى المسلمين في إفريقيا، وبغربِها، وعيٌ مبكِّرٌ بهويَّتهم الإسلاميَّة، وبضرورة تميُّزها عن غيرها، وذلك منذ الفترات الجنينيَّة للإسلام بالبلاد الإفريقية.


يقول المولى - عزَّ من قائل - : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]، تَفيُّؤاً بظلال هذه الآية الكريمة؛ يمكن القول إنَّ من نعَم الله تعالى على إفريقيا تعدُّد قبائلها وتمايزاتها الإثنيَّة، حيث يصل تعداد الإثنيَّات في بعض دُوَلها إلى ثلاثمائة (نيجيريا مثلاً)، وهذا لا شك نعمةٌ على أمَّة الإسلام؛ حيث تتَّسع دوائر «التَّعارُف» وفُرص التَّبادُل في كلِّ رقعةٍ جديدة تخطوها قَدَمُ مسلم.

من هذا المنطلق؛ فإنَّ أيَّ محاولةٍ للبحث عن هويَّات الشُّعوب المسلمة بإفريقيا، ومعرفة مدى التَّأثير الإسلاميِّ فيها، لَمحاولةٌ مشجِّعة، وخطوة – نرجوها - مباركةٌ في مشروع «التَّعارُف» الإسلاميِّ المنصوص عليه في آية التَّعارُف الآنفة الذِّكر، وهي تفضي إلى التَّقارُب بين الشُّعوب الإسلاميَّة وتماسكها وتضامنها.

ما تتَّفق عليه مختلف التَّعريفات عن الهويَّة هو: الخصوصيَّة والتَّميُّز عن الآخر، خصوصيَّة فرديَّة أو جماعيَّة، ولعلَّ من أحسن تعريفات الهويَّة الإسلامية ما قدَّمه خليل العاني بقوله: «الإيمان بعقيدة هذه الأمَّة، والاعتزاز بالانتماء إليها، واحترام قيمها الحضاريَّة والثَّقافيَّة، وإبراز الشَّعائر الإسلاميَّة، والاعتزاز بالتَّمسُّك بها، والشُّعور بالتَّميُّز والاستقلاليَّة الفرديَّة والجماعيَّة، والقيام بحقِّ الرِّسالة، وواجب البلاغ والشَّهادة على النَّاس»(1)، إنَّ هذا التَّعريف هو ما يصبو هذا المقال إلى استجلاء بعض ملامحه في هويَّة المسلم الإفريقي، سواء كان فرداً أو جماعة.

هذا، وإذا كان الباحثون قد حدَّدوا مقوِّمات الهويَّة في خمسة، هي: الدِّين، والتَّاريخ، والوطن، واللُّغة، والثَّقافة، فإنَّ ذلك يعني – فيما يعني - أنَّ الهويَّة مزيجٌ من الخصائص الثَّابتة والمتغيِّرة التي تحدِّد هويَّة الفرد أو الجماعة.

 

 الهويَّة الإسلاميَّة بإفريقيا:

نشأ لدى المسلمين في إفريقيا، وبغربِها (محور هذا المقال) – تحديداً –، وعيٌ مبكِّرٌ بهويَّتهم الإسلاميَّة، وبضرورة تميُّزها عن غيرها، وذلك منذ الفترات الجنينيَّة للإسلام بالبلاد الإفريقية، يظهر ذلك مثلاً فيما كتبه البكري (أبو عبيدة، ت 487هـ)، عن عاصمة غانة القديمة، وأنَّها مقسَّمة إلى مدينتَين: واحدة للملك تمثِّل المدينة الوثنيَّة، ولكن بها مسجدٌ للمسلمين إذا وفدوا إليه، وأخرى للمسلمين بها اثنا عشَرَ مسجداً، وأنَّ المسلمين غير ملزمين بالانحناء للملك عند إلقاء التَّحيَّة عليه، وإنَّما يكفيهم التَّصفيق، «فإذا دنا أهلُ دينه منه جَثوا على رُكَبهم، ونثروا التُّراب على رؤوسهم، فتلك تحيَّتهم له، أما المسلمون فإنَّما سلامُهم عليه تصفيقٌ باليدَين»(2).

ولا شكَّ أنَّ هذا الوضع الذي تمتَّع به المسلمون (وهم أقليَّة آنذاك) في الوسط الغاني القديم، لم يحدُث عشوائياً، وإنَّما نشأ عن وعيٍ عميق، وحرص أكيد من لدُن المسلمين بضرورة حماية هويَّتهم، ومن ثَمَّ التَّعبير عن هذا الوعي والمطالبة بالحفاظ عليه.

أورد البكريُّ خبراً آخر له دلالة على حرص المسلمين في الحفاظ على هويَّتهم، فقال عن البزركانيِّين (3) أهل كَوْكَو إنَّهم «لا يُملِّكون عليهم أحداً من غير المسلمين... وإذا وليَ منهم ملكٌ دُفِع إليه خاتمٌ وسيفٌ ومصحف، يزعمون أنَّ أمير المؤمنين بعث بذلك إليهم»(4)، فها هنا – أوَّلاً - اختيارٌ صارمٌ للزَّعيم الذي يُعدُّ المسؤول الأوَّل عن حماية الهويَّات، و - ثانياً - زعمٌ بتعبير البكريِّ، بربط علامات السَّلطنة بالأصل الإسلاميِّ العتيق.

وقد أدى هذا الوعي بالهوية والحرص عليها إلى انتشار الثقافة الإسلامية، واحترام غير المسلمين لقيم الإسلام، ففي خبرٍ أورده البكريُّ عن ملكٍ سودانيٍّ وثنيٍّ ببلاد الفرويِّين(5) كانت بأرضه نبتةٌ محفزة للشهوة؛ فأرسل إليه جاره الملك المسلم يسأله أن يُهديه شيئاً منها، فاعتذر إليه الملك الوثنيُّ، وعلَّل ذلك بأنَّه يخشى على الملك المسلم الوقوع في المحظور عليه في دينه بسبب تأثير هذا الدَّواء المفرط(6)، وسواء كان هذا اعتذاراً لبقاً وتخلُّصاً من الملك الوثنيِّ، أو كان حرصاً منه على مراعاة القيم الإسلاميَّة، فإنَّه يكشف عن ثقافة إسلاميَّة كانت منتشرةً منذ تلك الفترة المبكِّرة من الوجود الإسلاميِّ ببلاد إفريقيا الغربيَّة.

 

مقوِّمات الهويَّة الإسلاميَّة ومظاهرها في المسلم الإفريقي:

وفي محاولة متواضعة منَّا لاستكشاف بعض مظاهر الإسلام ومقوماته في هويَّة مسلمي إفريقيا؛ فإنَّه يكفينا هنا الاقتصار على لقطاتٍ من التَّاريخ والثَّقافة لدى بعض القبائل في غرب إفريقيا، كالهوسا، والفولاني، والمادينغ، والولوف، لتعذُّر استقصاء ذلك في مقامنا هذا.

أوَّلا: ادِّعاء النَّسب الشَّريف، أو الانتساب إلى الصَّحابة وقبائل العرب:

يُعدُّ الانتسابُ إلى النَّسب النَّبويِّ الشَّريف أو إلى القبائل العربيَّة أجلى الصُّوَر الكاشفة عن الرَّغبة الجامحة لدى الأفارقة في ربط هويَّتهم بالإسلام ورموزه، فالسَّادة الشُّرفاء من «شَريفُو» و «حَيدَرة» يتمتَّعون بمكانة اجتماعيَّة فريدة في الوسط الإفريقي، تُضفي عليهم قدسيَّة، وتُسدي إليهم الزِّعامة الرُّوحيَّة في المجتمع، ويُلحقُ بالانتساب إلى العترة النَّبويَّة الانتساب إلى الصَّحابة الكرام، وإلى قبائل العرب قريبة العهد أو النَّسب إلى النَّبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذا الميدان – خصوصاً - هو الذي خاض فيه جميع القبائل الإفريقية تقريباً(7)، ولعلَّ الزُّعماء والسَّلاطين أوَّل من فتحُوا هذا الباب، وخاضوا فيه، من ذلك:

أ - مملكة غانة الإسلامية: وتُعدُّ أقدم مملكة معروفة ببلاد السُّودان، يُقال إنَّ ملوكها ادَّعوا النَّسب العلويَّ، أشار إلى ذلك الإدريسي (ت 560هـ) في كلامه عن غانة، قال: «وهي أكبرُ بلاد السُّودان قُطراً، وأكثَرُها خَلقاً، وأوْسَعُها مَتْجَراً... وأهلُها مسلمون، ومَلِكُها – فيما يُوصَف - مِنْ ذريَّة صالح بن عبد الله بن الحسَن بن الحسَن بن علي بن أبي طالب»(8).

ب - مملكة كانم وبرنو: ادَّعى سلاطينُ كانم النَّسب العثماني، أي الانتساب إلى الخليفة عثمان بن عفَّان، منذ قيام هذه السَّلطنة، أورد ذلك المؤرِّخون العرب، فعن العُمري (ت 749هـ) قوله: «وأوَّلُ من نشر الإسلام فيها الهادي العُثمانيُّ، ادَّعى أنَّه من ولد عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وصارتْ بعده لليَزَنيِّين من بني ذي يَزن، العدلُ قائمٌ في بلادهم، ومذهبُهم مذهب الإمام مالك (رض)»(9).

ج - مملكة مالي: ادَّعى ملوك إمبراطوريَّة مالي الإسلاميَّة الانتساب إلى الصَّحابيِّ بلال بن رباح، وأطلقوا عليه «بلالي بُوناما»، وزعموا أنَّه جدُّ ملوك كايْتا بمملكة مادينغ(10)، وذلك لأنهم كانوا يبحثون عن الشرعية وأحقيتهم في الحكم.

هكذا، على غرار الأُسَر الملكيَّة، تسابقت القبائلُ الإفريقية لإعلان انتمائها إلى الصَّحابة وإلى القبائل العربيَّة؛ من ذلك أنَّ قبائل الفولاني تزعم في رواياتٍ شفاهيَّة محليَّة انتماءها لفاتح إفريقيا (عقبة بن نافع)، وأنَّه قد توغَّل في إفريقيا حتى بلغ مُنحنى نهر النيجر ومصبَّ نهر السِّنغال (موطنَ قبائل الفولاني)(11).

ومن الفولاني مجموعاتٌ تدَّعي أيضاً انتماءها لحليمة السَّعدية مرضع النَّبي (صلى الله عليه وسلم)، ويُطلقون عليها اسم «فُولا- مَةُ» أي حليمة الفولانيَّة، وينسجون حول ذلك رواياتٍ متعلِّقة بمولد النَّبي (صلى الله عليه وسلم) ورضاعته(12).

ومثل قبائل الفولاني؛ فإنَّ اليُوربا في نيجيريا وفي بِنين الحاليَّة، تنتمي إلى بطل أسطوريٍّ هو كِسْرى، قيل إنَّه نزح من الشَّرق، وإنَّه هو مؤسِّس مملكة (Busa)(13)، وتنتمي قبائل سَرانْخوليهْ إلى سلمان الفارسي، والهوسا إلى بطل أسطوريٍّ يُدعى «بايَزيدَا» (Bayajida) بن عبد الله، من بغداد، يزعمون أنَّه كان ملكاً ببغداد، وأنَّه جاء إلى بلاد السُّودان فغزا قبائل زيْدُوَا (Zaiduwa) الوثنية، وشتَّتها إلى أربعين عشيرة صغيرة، منها بورنو التي زوَّجه ملكُها ابنته حتى يأمنَ على عرشه، ورُزقت منه بغلام سمَّاه بوركيمو (Burkimo)، وهو أوَّل ملك لبلاد الهوسا، ومنه انحدر الهوساويُّون(14).

وأسطورة كِسرى أيضاً واسعة الانتشار في بلاد الهوسا الشَّماليَّة في غواري (Gwari)، وفي دكاكاري (Dakakari)، وفي كونْتاغورا (Kontagora)؛ وفيها يزعمون أنَّ كسرى هو مؤسِّس ممالك الهوسا، وأنَّه وفد من مصر أو من الشَّرق (مكَّة)(15).

وفي ظلِّ هذا الحرص الزَّائد في إيجاد جذُورٍ عميقة للقبيلة في الشَّجرة الإسلاميَّة؛ يتضح أنَّ كثيراً من أوْجُه التَّحوير والزِّيادة والإضافة تعتري أصول الرِّوايات الإسلاميَّة الصَّحيحة في السِّيرة النَّبويَّة، وهو أمرٌ لا يصح، لأنها مرويَّات دينيَّة، ولكن إذا نظرنا إلى الجانب النفسي والاجتماعي؛ فإنَّ مسلمي إفريقيا يهدفون من وراء تلك الادِّعاءات إلى تأكيدَ رسوخ قَدَمهم في التَّاريخ الإسلاميِّ، وقربهم من الحضرة النَّبويَّة، وبلائهم الحسَن في خدمة الإسلام، وهذا الهدف يتوافَقُ والتَّعريف المختار في أوَّل هذا المقال عن الهويَّة الإسلاميَّة، وأنَّها «الإيمان بعقيدة الأمَّة، والاعتزازُ بالانتماء إليها».

إلى جانب هذا الهدف والسَّبب المحوري في نشوء هذه الظَّاهرة؛ فإنَّها تضطلع بوظائف اجتماعيَّة عديدة في المجتمع الإفريقي؛ حيث تعمل – من جهَّة - على إضفاء شرعيَّة روحيَّة على المكانة والحظوظ الاجتماعيَّة أو السِّياسيَّة، أو الدِّينيَّة التي اكتسبتها كلُّ قبيلة، أو ما تسعى إلى اكتسابه، ومطالبة الآخرين بالاعتراف به.

من أمثلة ذلك أنَّ قبائل (nyamakala)، وهم الرُّواة الشَّعبيُّون في مجتمعات غرب إفريقيا، وتراجمة الملوك، تَنتمي إلى الصَّحابيِّ سُراقة بن مالك، وتدَّعي أنَّه كان شاعر النَّبي (صلى الله عليه وسلم)، فهذه القبائل لا تُنازعُها قبيلةٌ أخرى في هذه الوظيفة ما دام أنَّها تستند إلى رُكنٍ ركينٍ، وإلى شرعيَّة تاريخيَّة مُستقاة من السِّيرة النَّبويَّة – في زعمهم - (16).

أما قبائل المادينغ التي تنتمي إلى البطل تِيرامغَانْ (Tiramagan) أحد قُوَّاد مؤسِّس مملكة مالي، فتزعم أنَّ جدَّ هذا البطل كان من صحابة النَّبي (عليه الصلاة والسلام)، وأنَّه أمدَّ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة بدر بتسعةَ عَشَر فارساً مغاوير من أبنائه، ولكنَّهم جميعاً استُشهدوا في هذه الغزوة الحامية، ما عدا واحداً، وإلى تلك القبيلة تُسند القيادة الحربيَّة في مجتمع المادينْغ، لا يُنازعها في ذلك منازع.

من جهَّة أخرى؛ فإنَّ هذه الظَّاهرة لها وظائف اجتماعيَّة، منها إحداثُها روابط بينيَّة قويَّة بين القبائل، تُحقِّق تماسُك المجتمع، وتحول دون منازعة القبائل بعضها بعضاً في وظائفَ معيَّنة، أو في مراكز اجتماعيَّة خاصَّة، احتكرتها قبيلةٌ لنفسها عبر الأجيال؛ علماً بأنَّنا في سياق مجتمعٍ معقَّدٍ يقوم على تقسيم الوظائف الاجتماعيَّة بين القبائل، وتتشكَّلُ هويَّات القبائل والعشائر عبر تلك الوظائف.

مثال آخر في تحقيق تلك الادِّعاءات للتَّماسُك الاجتماعيِّ؛ أنَّ عشيرتَيْ كمارا كونْدا، وسِيسيهْ كوندا في غامبيا، تزعُمان أنَّ أسلافهما عاشوا جيراناً في مكَّة المكرَّمة، ومنها نزحوا إلى مملكة مالي القديمة قبل أن يستقرُّوا بغامبيا، وفي أثناء رحلتهم تلك من مكَّة إلى مالي، وقَع حلف الولاء الموثَّق بين العشيرَتَين، ولا يزال هذا الاعتقاد يفعلُ فعلَه الإيجابيَّ في إحداث تناغُمٍ منقطع النَّظير بين العشيرتَين، وفي فضِّ جميع صنوف الخصومات والنِّزاعات التي قد تحدُث بين واحدةٍ من العشيرَتَين وبين عشيرةٍ أخرى؛ إذا توسَّطت حليفتُها لدَيها، ذلك لقداسة الجوار الأوَّل بمكة، ومن المستَبْعد أن يتنكَّر أحدٌ من أفراد العشيرة لهذا «التَّاريخ» المشترك بين القَبيلتَين(17).

ثانياً: دلالة أسماء الأعلام على الهويَّة الإسلامية:

هذا، ويُلحَق بالانتساب الجماعيِّ للقبائل الإفريقية إلى الصَّحابة والعرب، ظاهرة تبنِّي مسلمي إفريقيا الطَّوعي للأسماء «الإسلاميَّة»، ونبذ أسمائهم القبَليَّة، ففي هذا السِّياق - مثلاً - نجد أنَّ أوَّل الخائضين فيه هم الملوك أيضاً؛ حيث انتحل بعض أوائل الملوك أسماء خلفاء وملوك في العصور الأولى للإسلام، فسلاطين صونغايْ (غاوْ) مثلاً تسمَّوا بأسماء الخلفاء الرَّاشدين، ولم تُعرف أسماء بعضهم الحقيقيَّة، من ذلك ما وُجد منقوشاً على أحد الشَّواهد الرُّخاميَّة المكتشفة في غَاو عاصمة صونغاي: «هذا قَبْرُ الملك النَّاصر لدين الله، المتوكِّل على الله، أبي بكر بن أبي قُحافة، رحمَهُ الله ونوَّر ضريحَهُ، وقدَّس روحَهُ، وجعل الجنَّة بَدله ومأواه»، (توفي ليلة الجمعة 19 رجب 503هـ / 1110م)، ووُجِدَ على شاهدٍ آخر: «هذا قبرُ الملك الأجلِّ، الرَّفيع المحلِّ، النَّاصر لدين الله، المتوكِّل على الله، القائم بأمر الله، المجاهد في سبيل الله، ماما بن كما بن اع؟ المسمَّى بعمر بن الخطَّاب، رحمةُ الله عليه»، (توفي يوم الأحد 17 محرم 514هـ / 1121م)(18).

ونتوقف قليلاً عند هذا الجانب من دلالة الأسماء على التَّميُّز في الهويَّة؛ لبيان علاقتها بالأثر الإسلاميِّ في هويَّة المسلم الإفريقي:

إنَّ أسماء الأعلام – في الوسط الإفريقي - ذات دلالات مُتشابكة مع مختلف مناشط الحياة، وذات رسائل تواصليَّة متعدِّدة الأبعاد، كاشفة عن الهويَّات الإثنيَّة، والانتماءات العَقَديَّة، ففي قبائل (موصِي Mosi) مثلاً، يشير الباحث الأنثروبولوجي هويس ((Maurice Houis إلى نظامٍ دقيقٍ للتسمية، يتلخَّص في فئتين، هما:

أ - الاسم القبليُّ أو العشائري (Sondre: pl. Sondra): وهو الاسم الذي يحمله كلُّ من ينتمي إلى العشيرة ذكراً أو أنثى، تمييزاً للعشيرة عن غيرها من العشائر الأخرى.

ب - الاسم الشَّخصي يوري (Yure: pl. Yuya): وهو الاسم الشخصي الذي يميِّز الفرد داخل القبيلة، ويتحدَّد هذا الاسم الشخصيُّ بظروف مولد صاحب الاسم وملابساته، فإنْ أتى الحاملَ المخاضُ وهي في الحقل سُمي الوليد (kobo)، وإنْ أتاها وهي في السوق سُمي (daga)، وهذا الصنف من الأسماء ذو رسائل تواصليَّة متشعبة دينية واجتماعيَّة، فالمولود عشيَّة عيدٍ لدى الفولانيِّين يُطلَق عليه (Djoulde) أي: عيد، وإذا ولد بعد إجهاض سابق سمِّي (Wuri) أي (الناجي).

هذا، ومن أهمِّ الوظائف التي يضطلع بها الاسم في الوسط الإفريقي ما يأتي:

- الاسم وتعبيره عن المعتقدات القبَليَّة: وتقوم المعتقدات والميثولوجيا القبَليَّة بأثرٍ فعَّالٍ في وضع هذا الصِّنف من الأسماء، حيث يُختار اسم معيَّن للوليد رغبة في حفظه من العين أو الموت، أو طلباً لاسترضاء أرواح الأسلاف، تماماً كما لدى كثيرٍ من الثقافات التَّقليديَّة التي تقيم علاقة بين اسم الشَّخص وبين دفع مضرَّة أو جلب منفعة، ومن ذلك لدى قبائل البامبارا إطلاق اسم «نْياما»، أي: زهيد فيه، أو أيّ اسمٍ غريبٍ آخر على الوليد الذي لم يعشْ قبله ولدان لأمِّه، ولدى قبائل الولوف – كما توضِّحه أبحاث عامر صامبْ - يُعطى الوليدُ اسماً غريباً يُعتقد أنه يحميه من صروف الدَّهر، مثل: (Lêmudê)، أي: سوف يموت، و (Amul Yakar) أي: لا أمَل، و (Kène Begul) غير مرغوب(19).

- الاسم والتَّعبير عن ظرف اجتماعيٍّ: في معظم مجتمعات إفريقيا يكون اختيار أسامي المواليد من حقِّ شيخ العشيرة وحدَه، لكن هذا الاختيار يكون – فيما يزعمون - بعد «مشاورة» أرواح الأسلاف، يحمل الوليد بعده اسماً يكون له علاقة مباشرة بالظُّروف الرَّاهنة في القبيلة، فإذا وُلِد الطفل في ظروف خلافاتٍ وشقاق داخل القبيلة مثلاً، يكون اسمه رسالةً رادعة من «أرواح الأسلاف» للقبيلة، مثل الاسم dayelle أي لا خِلاف! لدى قبائل كاسِينا في بوركينافاسو.

- الاسم وتحديده للمرحلة العمريَّة، ومركز حامله الاجتماعي: من الأمثلة على ذلك ما نجده لدى قبائل بَسارِي شرقي السنغال من توظيف فعّال للاسم في كل مراحل حياة الإنسان، يتجدَّد طبقاً لتجدُّد مراحل الحياة، ونشاط الفرد ومركزه في القبيلة، فحين يولد الطفل يحمل تلقائيّاً الاسم العشائري من طرف أمِّه، ومن ثمَّ يُضاف إليه اسمٌ يُختار له حسب جنسه وتسلسله بين أشقائه، حتى إذا دبَّ أطلقت عليه أمُّه أو أترابه لقباً يُنادى به، وإذا ما أتت فترة الختان والتأهيل (Initiation) انسلخ عن الاسم «الصبياني» وحمل الاسم «الرِّجالي» اسم الرُّشد، وإذا ما انخرط بعد ذلك في سلك الجمعيَّات السِّريَّة، وشارك في الرَّقصات المقنَّعة (Danse des masques)، أُعطي كذلك اسمه «القناعي»، وتحرم مناداته خلال تلك العروض الرَّقصيَّة باسمه الرِّجالي.

- الاسم وتحديده للرُّتبة الأسَريَّة أو الاجتماعيَّة: يكون ذلك حين يُحدَّد اسم الفرد حسب رتبته وجنسه في الأسرة، فيسمِّي الفولاني مثلاً الابن البِكر حمادِي، والثاني سَامْبا، والثالث دِيمبا. أما البامبارا فيُطلقون (Nyele) على البنت الأولى، و(Nya) على الثَّانية، وعلى الثَّالثة (Nyeleba)، كما يُطلقون (Nci) على الولد البكر، و (Nsan) على الثَّاني، و (Ngolo) على الثَّالث وهكذا(20). ويُطلق قبائل بَساري على الأنثى الأولى (Tyra)، وعلى الذكر الأوَّل (Tyara)، والثَّاني (Kala)(21).

انطلاقاً من هذا النظام الدقيق؛ نجد الاسم – لدى قبائل بسارِي ومثيلاتها - في علاقةٍ متواصلة بالثقافة والمجتمع، وأنَّه رسالة مباشرة عن حامله، يعيِّن هويَّته بأبعادها الاجتماعيَّة، فمن اسم الشَّخص قد نحدِّد جنسه، ورُتْبَتَه، وربَّما عدد إخوانه، والفئة العمريَّة التي ينتمي إليها، وربَّما ظروف ولادته، وموضعها، ويوم ولادته نهاراً أم ليلاً؛ مما يؤكِّد أنَّ الاسم يحمل رسائل تواصليّة متعدِّدة، وأنَّه في علاقة وظيفيَّة حميمة بالأنثروبولوجيَّة الإفريقية، وأنَّ تسمية الأفراد ليست قضيَّة خصوصيَّة للوالدَين، كما أنَّه يوظَّف للحفاظ على انسجام المجموعة، وتفادي المشكلات المهدِّدة لبقائها(22).

هذا، وقد ارتَأيْنا الإسهابَ في هذا المقام؛ للتَّدليل على أنَّ أيَّ مساسٍ بهذا النِّظام يؤذن بتقويض الكثير من الأسُس الاجتماعيَّة، والمعتقدات القبَليَّة، وإلى طمس هويَّة صاحب الاسم في المنظور القبَلي، وهذا – بالتَّأكيد - ما جرى لنظام التَّسميَّة لدى القبائل التي اعتنقت الإسلام في غرب إفريقيا، حيث حلَّ العالِم (karamogo) محلَّ شيخ القبيلة في تحديد أسماء المواليد، وحلَّت المناسبات الإسلاميَّة محلَّ المناسبات التَّقليديَّة التي كانت تؤثِّر في تحديد اسم الوليد، كما أُلغِيت بعض تلك المناسبات لمنافاتها للتعاليم الإسلاميَّة... وهكذا أصبح المسلم الإفريقي يُعرف – أوَّلاً - باسمه المكوَّن من أسماء الله الحسنى، أو من أسماء الأنبياء والرُّسل والصالحين ذكوراً وإناثاً، أو أسماء الصَّحابة والتَّابعين، أو من الرُّموز الإسلاميَّة(23).

ثالثاً: دلالة أسماء المدن والمواقع الجغرافيَّة:

ولم تقتصر هذه الظَّاهرة على الأسماء الشَّخصيَّة فحسب، وإنَّما امتدَّت إلى أسماء المدن والمواقع الجغرافيَّة، رغبةً من المسلمين الأفارقة في ربط تلك المواقع بسميَّاتها في مهبط الوحي أو في جزيرة العرب وبلادهم، لدينا مثلاً سلسلةٌ من اسم «مدينة» في معظم بلاد إفريقيا، أشهرُها «مدينة» التي حلَّت محلَّ (Timbi) القديمة في غينيا على يد الشيخ العالِم «ألْفَا يِيرو» (Alfa Yero)(24)، ولدينا مدينة «كِيرِوان» (Kerewane) في السنغال وغينيا، مراداً به القيروان، ومن أحياء عاصمة مالي الحديثة باماكو حيُّ (Bagadaji)، يراد به بغداد، وحيُّ «حمدَ الله» في باماكو، وحيُّ «دار السَّلام» في مدينة بواكي بكوت ديفوار، وحيُّ «مَاصِيرَا» (في غينيا)، و «طائِفَا» (في السنغال)، وحي «سَروجَا» مراداً به بلدة سَروج، بلدة أبي زيد السروجي بطل مقامات الحريري، وغيرها من المواقع.

رابعاً: تبنِّي التَّقويم السَّنويِّ الهجريِّ:

كذلك، ظهر التَّأثير الإسلاميُّ في كثيرٍ من مظاهر الهويَّة الإفريقية، ممَّا لا مجال لتفصيله في هذا المقام، من ذلك تبنِّي التَّقويم السَّنويِّ الهجريِّ، وربط جميع مناشط الحياة بالتَّقويم القَمَريِّ، ونبذ ما كان سائداً من الأعياد الوثنيَّة المرتبطة بالتَّقويم الشَّمسيِّ، واقتراض معظم القبائل لأسامي الشهور والأيَّام العربيَّة، وربط مفردات التَّوقيت بالشَّعائر الإسلاميَّة، مثل: Suba (الصبح)، waliha- tele (وقت صلاة الضُّحى)، Sali- fana (الصلاة، الظهر)، La`ansara (العصر) بلغة المادينغ... وقل مثل ذلك في الأزياء، والفنون والآداب.

 

 

الاحالات والهوامش:

(1) العاني، خليل نوري مسيهر: الهوية الإسلامية في زمن العولمة الثقافية، (العراق: مركز البحوث والدراسات الإسلامية، سلسلة الدراسات الإسلامية المعاصرة، رقم 58، 1430هـ / 2009م)، ص 45.

(2) البكري: المسالك والممالك، ص 1457.

(3) البزركانيُّون: هم سكان (كَوْكَو) عاصمة مملكة مالي القديمة، ذكرهم البكري في "المسالك والممالك"، وذكر أنَّ تسميتهم بالبزركان جاءت من قبَل العرب.. قال: "والعرب تسمي أهلها (أي أهل كَوكو) البزركانيِّين"، ومن حيث دلالة الاسم يذهب بعض الباحثين إلى أنها كلمة فارسية (بزرقان) معناها (تاجر) وهو تفسير غير مستبعد؛ لأن العرب التجار من شرقي بلاد العرب في العراق وفارق كانوا قد توغلوا إلى منطقة السودان الغربي منذ فترة مبكرة، وموقع كوكو الآن هو منحى نهر النيجر في الجنوب الشرقي لجمهورية مالي الحالية.

(4) البكري: المسالك والممالك، ص 1478.

(5) الفرويون: كانوا قريباً من كوكو على إمتداد مجرى نهر النيجر نحو المحيط الأطلسي، وحسب وصف البكري فإنَّهم كانوا يقطنون منطقة الجنوب الغربي من مالي الحالية؛ لأنَّه قد ذكر أنهم كانوا يقطنون قريباً من منجم الذهب بامْبوكْ، وهي واقعة على مشارف المحيط الأطلسي غربًا.

(6) البكري: المسالك والممالك، ص 1454.

(7) William Y. Adams, Ethnohistory and Islamic Tradition in Africa, vo.16. No 4, (1969), p 277 – 288.

(8) نزهة المشتاق، الإقليم الأول، الجزء الثاني، وقد علَّق ابن خلدون على هذه المعلومة قائلاً: «ولم نقفْ على نَسَب صالح هذا من خبَرٍ يُعوَّل عليه»، وفي موضعٍ آخر قال: «ولم يقعْ لنا في تحقيق هذا الخبَر أكثرُ منْ هذا، وصالح من بني حسن مجهولٌ، وأهلُ غانة مُنكرون أن يكون عليهم مُلكٌ لأحدٍ غير صُوصو»، تاريخ ابن خلدون، ضبط الأستاذ خليل شحادة، ومراجعة سهيل زكار، (لبنان: دار الفكر، 2009م)، (5 / 495).

(9) العمري، شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، تحقيق: حمزة أحمد عباس، (أبو ظبي: المجمع الثقافي، 1423هـ / 2002م)، (4 / 97).

(10) John W. Johnson, The Epic of Son Jara, (Indiana University Press, 1992), p 103.

(11) J. D. Fage, The Cambridge History of Africa from 1600 - 1790, (Cambridge University Press, 1975), p 106.

(12) Roberts, Jeremy, African Mythology A to Z (Infobase Publishing, 2nd Ed. 2010), p 69.

(13) Conrad, David, Status and identity in West Africa: Nyamakalaw of Mande, (Indiana  Univ. Press, Indiana, 1995), p 95.

)[14] (W. K. R., Hallam, The Bayajida Legend in Hausa folklore”, The journal of African History, Vol. 7, No 1, (1966), p 47 – 60.

(15) Phillips Stevens, “The Kisra Legend and the distortion of Historical Tradition”, Journal of African History, Vol, 16, No 2, (1975), pp 185 – 200.

)[16]( See: Thomas A. Hale, Griots and Griottes: Masters of Word and Music, (Indiana University, Press, 1998), p 66.

)[17) Ibid.

(18) Using J. Sauvaget, “Les Epitaphes royales de Gao”, BIFAN, 13 (1951), p 418 - 440.

(19) Amar Samb, “Reflexions sur les Croyances Wolof a travers les expressions linguistiques”, Notes Africaines, No 143, Dakar, 1974.

(20) Louis- Jean Calvet, La Tradition Orale, (Paris : Presses Universitaires, 1977), p 82.

(21) ولدى قبائل دُغون (Dogon) في مالي يُطلق (Yene و Yetime) على الأنثى الأولى والثَّانية على التَّوالي، أما الذَّكر الأوَّل والثَّاني فيُطلق عليهما (Baji و Atime)، كما أنَّ لدى كلِّ قبيلة أسماء جاهزة للتَّوائم حسب اتِّحاد جنسهما أو اختلافه، ويُحدَّد اسم الوليد الذي يتبع التَّوأم، فيُطلق مثلاً لدى المالنكي على المولود الأنثى التي تتبع توأمَين اسم «سايو» (Sayon)، كذلك قبائل الأشانْتي؛ إذ ترد لديها الأنظمة نفسها في تسمية المولود على حسب اليوم الذي وُلِد فيه، أو الظَّرف الذي تزامن ومولِدَه، أو على حسب ترتيبه في الأسرة، أو غير ذلك، انظر:

 Asante, Molefi Kete, The Afrocentric Idea, (Philadelphia: Temple UP, 1987), p 75.

(22) Maurice. Houis, Anthropologie Linguistique de l’Afrique Noire, (Paris : PUF, 1971), p 57.

(23) The Muslim World, “The Place of Islamic Law in Sierra Leone”, Vol. LXXXIV, No. 3 - 4, 1994, p 311.

یستمر...

 

 بقلم د. آدم بمبا