محمد التیجانی السماوی (الجزء الاول)

  • رقم الخبر 2354
  • المصدر: ar.rasekhoon.net

المخلص محمد التیجانی السماوی عالم دین تونسی. نشأ فی عائلة تنتمی للمذهب ‏المالکی وبانتماء آخر إلى الطریقة الصوفیة التیجانیة ولذلک سمی بالتیجانی. کان محمد التیجانی مسلما صوفیاً ‏ثم غیر مذهبه إلی المذهب.‏‎ ‎


محمد التیجانی السماوی (موالید 1943 فی قفصة بتونس) عالم دین تونسی. نشأ فی عائلة تنتمی للمذهب المالکی وبانتماء آخر إلى الطریقة الصوفیة التیجانیة ولذلک سمی بالتیجانی. کان محمد التیجانی مسلما صوفیاً ثم غیر مذهبه إلی المذهب الشیعی خلال سفرة ذهب فیها من تونس إلی لیبیا ثم مصر ولبنان وسوریا ونهایة إلی العراق، وهناک التقی بعلماء شیعة و تأثر بمعتقداتهم وفقههم وبعد رجوعه إلی تونس بدأ بالبحث واختار المذهب الشیعی.

 

محمد التیجانی السماوی یتشرف بزیارة الامامین الجوادین علیهما السلام

تشرف السید محمد التیجانی السماوی المستبصر التونسی المعروف بزیارة الإمامین الجوادین (علیهما السلام) بعد غیاب طویل دام أکثر من ثلاثین عاماً وکان لنا معه هذا اللقاء طرحنا علیه بعض الأسئلة وقد أجاب مشکوراً

* اهلاً وسهلاً بکم وانتم تتشرفون بزیارة الإمامین الجوادین (علیهما السلام)؟

ـ أهلاً وسهلاً بکم جمیعاً وأنا أتشرف بزیارتکم بصحبة الإمامین الجوادین (علیهما السلام).

* ماذا تمثل لکم هذه الزیارة المبارکة وانتم فی رحاب الإمامین (علیهما السلام)؟

ـ أولاً تمثل لی أنی التقیت بأجدادی بعد غیاب طویل دام أکثر من ثلاثین عاماً وانی لما دخلت لم أتمالک نفسی من البکاء لأنی تذکرت تلک الأیام القاحلة التی مرت من حیاتی عندما کنت مالکیاً متعصباً ضد الشیعة، وأول دخولی کما ذکرت فی کتاب ثم اهتدیت قلت: اللهم أن کان هذا من المؤمنین فأرحمه لأنی ما کنت اعتقد أن هناک أئمة (علیهم السلام) لأنی کنت أجهلهم والحمد لله فی هذا الیوم جددت العهد مع أجدادی وأحسست أنی فی أحضانهم.

* ظهرت فی السنوات الأخیرة حملات شعواء لمحاربة الإسلام المحمدی الأصیل وقد رکزوا بحربهم على فکر أهل البیت (علیهم السلام) بماذا تنصحون الأقلام والکتاب والشباب فی مثل هذه الظروف؟.

ـ أولاً أنا مستبشر خیراً لأن الله سبحانه وتعالى قال: (إِنَّ الَّذِینَ کَفَرُواْ یُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِیَصُدُّواْ عَن سَبِیلِ اللّهِ فَسَیُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَکُونُ عَلَیْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ یُغْلَبُونَ وَالَّذِینَ کَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ یُحْشَرُونَ)، فکم من داعیة وشعائر سیقتلها الله سبحانه وتعالى لأن الله بشر عباده المؤمنین قال: (یُرِیدُونَ أَن یُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَیَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن یُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ)، هذه أفواه تتکلم وهذا تعبیر الله سبحانه فی القرآن بالدعایة والشعائر، وهذه الدعایات والشعائر باءت بالفشل وستبوء بالفشل، وتسمع الآن صیحات فی کل العالم أن هناک هِلالاً شیعیاً بدأ یکبر وهذا الهلال سوف یصبح قمراً ثم شمساً لیضیء لکل العالم .

* هل لکم أن تنقلوا لنا صورة موجزة عن جهادکم الفکری فی سبیل مذهب الحق؟

ـ صورة موجزة أنا جبت أغلب الدول الإفریقیة وهناک فی العالم أکثر من ملیونی مستبصر فی العالم من أهل السنة استبصروا والإسلام المحمدی الأصیل کما تفضلتم وهم یقولون نحن اهتدینا ببرکة کتاب ثم اهتدیت وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى وفی شمال أفریقیا فی تونس والجزائر والمغرب هناک مستبصرون وعندنا مئات الآلاف، وبدأ الناس یتذوقون فکر أهل البیت لأنهم کانوا شبه نائمین وهذا الشیء یبشر بخیر، وبدأ الناس یتسألون عن الشیعة والتشیع .

* کیف وجدتم العتبة الکاظمیة الیوم من حیث المشاریع العمرانیة والخدمیة؟.

ـ نعم وجدتها بهیئة وبحلة سندسیة ذهبیة والوجوه الطیبة المستبشرة الفرحة هذه کلها تشیر بأن مستقبل العراق مستقبل واعد وزاهر وانه سوف یستعید عافیته ویعید کرامته وعزته ویعید لکل العتبات المقدسة مع طلبة العلوم والعلماء الأفاضل إنشاء الله فی أقرب الأوقات أتمنى ذلک على الله بعد تخلص من زمر البعثیین والمجرمین وأصبح الان بید أناس أمناء على الوطن .

اعتمد الدکتور محمد التیجانی على العقل السلیم والفهم القویم، ثمّ شدّ الرحال فی دنیا المعتقدات وفی خضم المدارس المذهبیة والفلسفات الدینیة، من أجل تمحیص الحق ومعرفته بین رکام الباطل، فوزن الأقوال بمیزان العدل لیرجح کفة المعقول، وقارن الکلام والأحادیث لیتبین له المنطقی من اللامعقول والقوی من المهزول، وبذل أقصى جهده لمعرفة الحق، فتلقته الالطاف الإلهیة وشملته التسدیدات الربانیة، فأنارت قلبه لیرى الحق حقاً لا غبار علیه ولیرى الباطل باطلا لا لبس فیه، ثم شرح الباری صدره وهداه سواء السبیل، ثم وفّقه لیکون سبباً فی هدایة جمع غفیر، قرؤوا کتبه واستمعوا إلى محاضراته فزالت عن بصیرتهم الحجب الداکنة وعرفوا السبیل إلى الطریق الآمنة.

 

المولد والنشأة:

ولد الدکتور محمد التیجانی السماوی عام 1943م بمدینة قفصة الواقعة فی جنوب دولة تونس، درس العلوم الدینیة والعلوم الحدیثة فی بلاده، وانهى دراسته فی جامعة الزیتونة العریقة فی القدم، عمل فی سلک التدریس 17 عاماً، حصل على شهادة الماجستیر من جامعة باریس وکانت اطروحته التی قدّمها حول المقارنة بین الأدیان، ثم حاز على شهادة الدکتوراه من جامعة السوربون وذلک بعد قبول اطروحته التی قدمها لهذه الجامعة تحت عنوان: "النظریات الفلسفیة فی نهج البلاغة".

نشأ وترعرع فی أوساط عائلة متدینة منتمیة إلى المذهب المالکی ومتشربة بالطریقه الصوفیة التیجانیة المنتشرة فی شمال أفریقیا.

انتهز الأجواء الدینیة المحیطة له لینال اسمى درجات التکامل العلمی والمعرفی والدینی فی أقصر مدة ممکنة، فحفظ نصف القرآن وهو بعد لم یبلغ العاشرة من عمره، وقد تشرّف بحج بیت الله الحرام وله من العمر ثمانیة عشر عاماً.

 

بدایة اثارة التساؤلات حول العقیدة الموروثة:

التقى الدکتور التیجانی خلال اقامته فی مکة اثناء أداء فریضة الحج بمجموعة من العلماء الوهابیین واستمع إلى محاضراتهم فانجذب إلى جملة من أفکارهم وتأثر ببعض مبادئهم التی نالت اعجابه.

لکنه بعد العودة إلى بلده وجد أن ما حمل معه من الفکر الوهابی یتناقض ویصطدم مع الطقوس الصوفیة، فاعترته حالة من التشویش الفکری ونشأ فی نفسه صراعاً سلب منه حالة الاعتدال والتوازن، فبقی متحیراً بین الأخذ بعقیدة تعتبر التوسل بغیر الله شرک وبین الطریقة الصوفیة التی فیها یتم التقرب إلى الله عن طریق التوسل بالأولیاء الصالحین.

وکان دأب الدکتور التیجانی هو کثرة السفر لا سیما خلال العطل الصیفیة، فصادف ذات یوم خلال سفره من الاسکندریة إلى بیروت أن تعرّف فی الباخرة على شخص عراقی وهو استاذ فی جامعة بغداد اسمه منعم، وقد جاء إلى القاهرة لتقدیم اطروحة الدکتوراه فی الأزهر.

فدار بینهما حدیث طویل أدى إلى توثیق العلاقة بینهما، وتحدث معه الاستاذ منعم بکلام نزل على قلب الاستاذ التیجانی نزول الماء الزلال على قلب العطشان فتحوّل إلى باحث طالب للحق.

ثمّ دعاه الاستاذ منعم لزیارة العراق للاتصال بعلماء الشیعة، وتعهّد له بتکفل جمیع نفقات سفره ذهاباً وإیاباً، وذکر له أن اقامته بالعراق ستکون معه فی بیته.

ففرح الدکتور التیجانی بهذا العرض وجعل فی قرارة نفسه أن یلبّی دعوة الاستاذ فی أوّل فرصة ممکنة.

 

سفر الدکتور التیجانی إلى العراق:

وبالفعل تحققت امنیة التیجانی لرؤیة عاصمة الدولة العباسیة، فسافر إلى العراق ونزل ضیفاً عند الاستاذ منعم، ثم التقى هناک بکبار علماء الشیعة فی مدینة النجف الأشرف کالسید الخوئی والشهید الصدر والکثیر من الاساتذة.

فانکشف له خلال ذلک قلة مستوى المامه بالتاریخ الاسلامی، وعرف أن سبب ذلک هو أن الاساتذة والمعلمین الذین تتلمذ على أیدیهم کانوا یمنعونه من قراءة التاریخ مدّعین بأنه تاریخ أسود مظلم لا فائدة من قراءته.

کما تبیّن للدکتور التیجانی أن جمیع الصور السلبیة التی کان یعتقد بها عن الشیعة لیست إلاّ إشاعات وإدعاءات باطلة وأنّ التشیّع یحمل فکراً منطقیاً یدخل العقول بدون استئذان، ثمّ تحاور عدّة مرّات مع صدیقه الاستاذ منعم، فیقول الدکتور التیجانی فی وصفه لهذه الحوارات: "کان کلامه یطرق سمعی وینفد إلى قلبی ویجد فی نفسی صدىً إیجابیاً".

وکان لکلام السید الخوئی مع الدکتور حول التشیّع وقع خاص، فیقول الدکتور فی ذلک: "بقیت اُفکر فی أقواله وأنا مطرق أحلل واتذوق هذا الحدیث المنطقی الذی نفذ إلى اعماقی وازال غشاوة عن بصری".

ویقول الدکتور التیجانی عن لقائه بالشهید محمد باقر الصدر وأجوبته حول الاستفسارات التی کانت تدور فی خاطره: "کانت اجوبة السید محمد باقر الصدر واضحة ومقنعة... وبقیت بین الشک والحیرة، الشک الذی أدخله علماء الشیعة فی عقلی، لأنّ کلامهم معقول ومنطقی".

 

الانفتاح على کتب الشیعة:

بعد رجوع الدکتور التیجانی إلى أرض الوطن فوجىء عند دخوله إلى المنزل بکثرة الکتب التی بعثها علماء وفضلاء الشیعة الذین أخذوا عنوانه ووعدوه بارسال الکتب إلیه.

ففرح بهذه الهدیة الثمینة ونظم الکتب فی مکتبته ثمّ بدأ بمطالعة الکتب المرسله له، فقرأ کتاب (عقائد الإمامیة) و(أصل الشیعة واُصولها) فارتاح ضمیره لتلک العقائد التی یرتئیها الشیعة، ثمّ قرأ کتاب (المراجعات) للسید شرف الدین الموسوی، ولم یقرأ منه بضع صفحات حتى استهواه هذا الکتاب وانشد إلیه انشداداً لا یوصف حیث یقول الدکتور التیجانی عن انطباعه فی هذا المجال: "کان الکتاب بحق یمثّل دوری کباحث یفتش عن الحقیقة ویقبلها أینما وجدت، وعلى هذا کان الکتاب مفیداً جداً وله فضل علیّ عمیم".

وکان من أهم المقاطع التی ادهشته فی هذا الکتاب هی عدم امتثال الصحابة لأوامر الرسول فی عدّة مواقف والتی منها حادثة رزیة یوم الخمیس، فیقول الدکتور: "لم أکن أتصور أن سیدنا عمر بن الخطاب یعترّض على أمر رسول الله ویرمیه بالهجر، وظننت بادئ الأمر أن الروایة من کتب الشیعة، وازدادت دهشتی عندما رأیت العالم الشیعی ینقلها من صحیح البخاری وصحیح مسلم، وقلت فی نفسی: إن وجدت هذا فی صحیح البخاری فسیکون لی رأی".

فلمّا وقع کتاب البخاری بیده جعل یتصفحه باحثاً فیه عن رزیة یوم الخمیس متمنیاً أن لا یعثر علیها، فیقول: "ورغم أنفی وجدتها وقرأتها مرّات عدیدة فکانت کما نقلها السید شرف الدین وحاولت تکذیب الحادثة برمتها واستبعدت أن یقوم سیدنا عمر بذلک الدور الخطیر ولکن أنى لی تکذیب ما ورد فی صحاحنا وهی صحاح أهل السنة والجماعة التی ألزمنا بها أنفسنا وشهدنا بصحتها".

 

بدایة التوجه إلى البحث الجاد:

أدرک الدکتور التیجانی أنه بحاجة إلى دراسة معمقة وبحث جاد فی رحاب العقیدة لیتمکّن من الوصول إلى الحقیقة، کما أدرک أن الأمر هذا لا یتحقق إلاّ بالاعتماد على الأحادیث الصحیحة والابتعاد عن المؤثرات العاطفیة والتعصّبات المذهبیة والنزعات القومیة أو الوطنیة.

فخاض فی هذا المضمار بروح بناءه وعقلیة منفتحة محاولا عدم التهرّب من الحقیقة وعدم محاولة طمسها عندما لا تتماشى مع میوله وأهوائه وأغراضه، فواجه نصوصاً صریحة قلبت عنده الموازین، ثمّ أدرک الحق الذی لا یصل إلیه إلاّ الذی یتحرر عن تعصّبه الأعمى وکبریائه وینصاع للدلیل الواضح.

 

الشک والحیرة ثمّ الاستبصار:

بقی الدکتور التیجانی متحیّراً لفترة تتجاذبه الأفکار وتموج به الظنون والأوهام، خائفاً من مواصلة البحث لا سیّما حول تاریخ الصحابة خشیة أن یقف على بعض المفارقات المذهلة فی سلوکهم، فاستغفر الله مرّات عدیدة ثمّ قرّر عدم مواصلة البحث، لکن دفعه حرصه على بلوغ الحقیقة إلى أن یقحم نفسه فی البحث والتتبّع فی مجال العقیدة لیکون على بصیرة من أمره.

واستمر فی بحثه مقتحماً جمیع العقبات التی کانت تعتری سبیله حتى أشرقت له الحقیقة، فأبدل أفکاراً متحجّرة متعصّبة تؤمن بالتناقضات بأفکار نیّرة متحرّرة ومنفتحة تؤمن بالدلیل والحجّة والبرهان.

فیقول فی هذا الجانب: "غسلت دماغی من أوساخ رانت علیها ـ طوال ثلاثین عاماً ـ أضالیل بنی أمیة، وطهّرته بعقیدة المعصومین الذین أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهیراً".

 

وصف حالة الاستبصار

یقول الدکتور التیجانی حول استبصاره: "کان التحوّل بدایة السعادة الروحیة، إذ أحسست براحة الضمیر وانشرح صدری للمذهب الحقّ الذی اکتشفته أو قل للإسلام الحقیقی الذی لا شکّ فیه، وغمرتنى فرحة کبیرة واعتزاز بما أنعم الله علیّ من هدایة ورشاد.

ولم یسعنی السکوت والتکتم على ما یختلج فی صدری، وقلت فی نفسی: لابد لی من افشاء هذه الحقیقة على الناس (وأما بنعمة ربک فحدّث) وهی من أکبر النعم، أو هی النعمة الکبرى فی الدنیا وفی الآخرة".

ویضیف قائلا: "والذی زاد شعوری یقیناً لنشر هذه الحقیقة هو براءة أهل السنة والجماعة الذین یحبّون رسول الله وأهل بیته ویکفی أن یزول الغشاء الذی نسجه التاریخ حتّى یتّبعون الحقّ".

یستمر...

 

المصدر: راسخون

https://ar.rasekhoon.net