المشهد الصوفي في الصومال(الجزء الاول)

  • رقم الخبر 2331
  • المصدر: مركز المسبار للدراسات والبحوث

المخلص تسربت الصوفية إلى الصومال في بدايات القرن الخامس عشر، والأرجح أنه لم يسجل في رفوف كتب التاريخ وجود صوفي في الصومال قبل ذلك الوقت، حيث لا حظ العمري الذي كتب عن هذه البلاد بين سنتي (1332-1337هـ) خلوها من الربط والزوايا والخانقاهات(1)[2].


تسربت الصوفية إلى الصومال في بدايات القرن الخامس عشر، والأرجح أنه لم يسجل في رفوف كتب التاريخ وجود صوفي في الصومال قبل ذلك الوقت، حيث لا حظ العمري الذي كتب عن هذه البلاد بين سنتي (1332-1337هـ) خلوها من الربط والزوايا والخانقاهات(1)[2]. وكذلك ابن بطوطة، اكتفى في وصفه لمقديشو بأن سلطانها يتحدث العربية ولغة مقديشو، ثم وصف الحياة الاجتماعية والاقتصادية وذكر أن ” أهلها أهل جهاد لأنهم في بر واحد متصل مع كفار الزنوج، والغالب عليهم الدين والصلاح وهم شافعية المذهب(2)[3]. ولا يعني هنا انتفاء وجود متصوفة كأفراد في الصومال ابتداء من القرن الثاني عشر أو الثالث عشر شأنها في ذلك شأن العالم الإسلامي.

تمكنت الطرق الصوفية في ربوع الصومال دون منافس، وأسهمت في نشر الإسلام عن طريق إنشاء مراكز إسلاميةٍ، وعنيت بتدريس أصول الدين واللغة العربية للمسلمين، مما كان له أجمل الأثر في إبقاء جذوة الإسلام متقدة ليس في ربوع الصومال فحسب بل في معظم أنحاء القرن الإفريقي حتى اليوم، ولا نجد حدثا تاريخيا مهما في الساحة الصومالية ما قبل الخمسينيات في القرن الماضي إلا وكان فيه للصوفية بصمات واضحة، وقامت الطرق الصوفية بأدوار حاسمة في تشكيل تاريخ الصومال.

وينبغي أن نشير هنا إلى أن الصومال خلال تاريخ تأثره بالطرق الصوفية قد شهد نوعين من الطرق، أولهما الطرق القديمة أو التقليدية ذات المشيخات والقيادات المتعددة والإدارة اللامركزية، مثل الطريقة القادرية أما النوع الثاني فهو عبارة عن الطرق ذات القيادة المركزية والمتأثرة بالحركات التجديدية والإصلاحية التي شهدها العالم الإسلامي في الفترة من أواخر القرن السابع عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر.

ويندرج تحت هذا النوع، الطريقة الأحمدية مع فرعها الصالحي المتأثرة بمدرسة السيد أحمد بن إدريس، إلى جانب هذا، طرق صوفية أخرى مثل الرفاعية والختمية والدندرية. ولكن أتباعها قليلون مقارنة بالقادرية والأحمدية والصالحية.

 

القادرية

تعتبر الطريقة القادرية من أوسع الطرق انتشاراً في العالم الإسلامي وتُنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (470-561هـ/1077-1166م) وقد ولد بجيلان أو كيلان بإقليم طبرستان بإيران وتوفي ودفن ببغداد. وكان الشيخ عبد القادر عالماً ضليعاً يفتي على مذهب الإمامين الشافعي وابن حنبل. وقد انتشرت تعاليم الشيخ عبد القادر الجيلاني بواسطة تلاميذه في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي.

ويبدو أن الطريقة القادرية التي تعد أقدم الطرق وأكثرها أتباعا في أوساط الصوماليين تسربت إلى الصومال بفضل المهاجرين اليمنيين أو الحضارمة الذين استقروا في مقديشو وزيلع وبربرا وبراوة ومركة، و من الساحل شقت القادرية طريقها للدواخل، هذا ويعتبر القطب الرباني الشريف أبو بكر بن عبد الله العيدروس المتوفى عام 1503 من أول مؤسسي الطريقة القادرية في الصومال، ثم تبعه من المشاهير الشيخ حسين نور المعروف بحسين بالي الذي تورد الروايات الشفهية أنه جاء من بغداد لنشر الطريقة القادرية وأنه أول من مزج ترديد الأوراد مع ضرب الدف، بادئا ذلك بالشهادة “لا إله إلا اله ” حتى يجذب العوام والأهالي للإسلام(3)[4].

كما أسس الشيخ إبراهيم حسن عيسى يرو مركزا للطريقة القادرية عام 1819م على ضفاف نهر جوبا و في مدينة برديرى في إقليم جدو على شكل تعاونيات زراعية وهو ما يبدو أنه مثل أول ظهور لمصطلح “الجماعة ” في الأوساط القادرية، كما كان أبرز مركز للقادرية في الجنوب الصومالي، ومن هذا المركز انتشرت الطريقة إلى باقي أنحاء البلد(4)[5].

ومن فطاحل العلماء الذين ساهموا في نشر الطريقة في الصومال، الشيخ عبد الرحمن الزيلعي المتوفى 1883م الذي مال إلى التصوّف وسلك الطريقة القادرية وقام في مدن كثيرة منها هرر و إقليم الصومال الغربي حيث نشر الثقافة الإسلامية والتعليم والإرشاد فجال بأصحابه فى طول أجادين وعرضها يدعو الناس بالوعظ والإرشاد فى أوساط القبائل الأجادينية الرعاة الرحل، واصطنع أناشيد دينية ( الأوزان الزيلعية ) لغرض استقطاب الشعب إلى مراكز الدعوة التجديدية حيث كان الشعب الصومالي يميل إلى الشعر والأناشيد كما كانت تملأ الأغاني الشريرة التى كان يتورط بها الشباب، واعتبره علماء المنطقة مجددًا دينيا.

وسكن الزيلعي قرية قلنقول بوادي (فافن) الزراعي، وفتح أكبر مدرسة دينية فى أجادين آنذاك، وأكبر زاوية تربية صوفية، فتخرج منه مشاهير علماء المنطقة، وسبّب نهضة علمية روحية إصلاحية غيّرت كثيرا من الأوضاع المتدهورة، وجددت حركة الثقافة الإسلامية فى المنطقة، وأصبحت الطريقة القادرية الزيلعية التى جمعت بين التصوف والتعليم والتربية فى البلاد، وعمت الأقطار الصومالية.

وكذلك الشيخ أويس محمد براوى المتوفى 1909م، مؤسس الطريقة الأوسية، التي تعد الجناح الثاني بعد الزيلعية من حيث الانتشار، ويبدو أنها ظهرت في بدايات القرن العشرين. وقد بدأ حياته طالبا للعلوم الإسلامية، ثم سافر إلى بغداد حيث أخذ الطريقة القادرية من خليفة الشيخ عبد القادر الجيلاني هناك، السيد مصطفى بن سيد سلمان وقد أرسله السيد بعد نيله الإجازة القادرية ليبشر بمبادئ الدعوة القادرية في أرض الصومال وكينيا والسواحل وتنجانيقا وزنجبار.

كان الشيخ أويس شاعرا بارعا ملهما، وقد أسهمت أشعاره في حفظ اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وما زال المنتسبون للطريقة القادرية يترنمون بقصائده و يخمسون بعضها. و قد انتشر نفوذ الشيخ في المناطق الساحلية في الصومال الجنوبي.

وقد نهجت الطريقة الأوسية نهجا متصالحا مع الاستعمار الإيطالي، ورفض الشيخ أويس دعوة السيد محمد عبد الله للجهاد والانخراط في صفوف الدراويش، بل وهاجم السيد محمد وأتباعه ووصفهم بالقتلة مما أدى إلى مصرع الشيخ أويس على يد جماعة من الدراويش في 23ربيع الأول 1327 في قرية ببول(5)[6].

ارتبط نشر الإسلام في أجزاء واسعة من الصومال والمناطق المجاورة في إثيوبيا وعلى طول ساحل القرن الإفريقي بالقادرية من خلال وجوه الحياة مثل التجارة والتعليم والتربية كما أسسوا مراكز إسلامية في مدن كثيرة مثل هرر وبرووا وجيكجكا وبارطيرا ومقديشو وبيولي وهرجيسا وقلنقول، وكان الطلاب ينتشرون في الأرياف والقرى النائية بعد نهلهم العلم من هذه المراكز.

 

الأحمدية

أسسها السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1760- 1837م)،، هذه الطريقة التي ساهمت في حركات الإحياء التي شهدها القرن التاسع عشر، ولم يكن الفاسي صوفيا فحسب، وإنما كان مصلحا يستهدي تعاليم الوهابية،ويتأثر بها، فجرد الصوفية من كثير من بدعها ونادى بالاعتماد على الكتاب والسنة فهي طريق السالكين(6)[7].

ودخلت الصومال في بدايات القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي في جنوب الصومال وكانت الجماعة عبارة عن وحدة اجتماعية تعمل في الزراعة ولها شيخ أشبه بفكرة الزاوية عند السنوسية وأول جماعة أحمدية تأسست في بارديرا عام 1819 م بيد الشيخ إبراهيم يبرو وقد نمت الجماعة حتى أصبحت تسعين جماعة تضم خمسة وثلاثين ألف شخص في باكول، جادو، بارديرا في عام 1950(7)[8].

ولقيت الطريقة نجاحاً منقطع النظير خصوصاً في المناطق الجنوبية، فقد صادفت صدى في نفوس الشعب الصومالي. وامتد نشاط الجماعة إلى المناطق الأخرى في الجنوب مثل منطقة بكول في عهد كل من الشيخ شريف عبد الرحمن و شريف إبراهيم. كما انتشرت في باقي أنحاء البلاد وتسربت إلى شمال شرق كينيا بيد الشيخ علي جري. واشتهرت الأحمدية بتوطين أهل الأرياف والدعوة لهم بالتحضر والتمدن.

ولقد لعبوا دورا كبيرا في محاربة العادات التي يرونها سيئة فحرموا مضغ القات وتعاطي الشيشة والحركات الجسدية عند الذكر، كما فرضوا حظرا على بيع العاج، وحثوا على ارتداء الحجاب للنساء، وخاضوا معارك جدلية مع المجاميع القادرية والتي تطورت فيما بعد إلى صِدام مسلح بين الطريقتين على خلفية استيلاء الأحمدية على مدينة براوي معقل القادرية الأمر الذي أثار حفيظة ملك قبيلة “جلدي”، والذي جمع جيشا قوامه 40000 من مختلف القبائل واقتحم مدينة بارديرا وحرّقها.

ويعتقد أن العامل الاقتصادي كان له دوره في تأجيج الصراع إذ إن حظر بيع العاج أغضب بعض القبائل، إلى جانب العامل الخارجي حيث أشار الباحث والكاتب الصومالي الشهير عبد الرحمن عبد الله باديو إلى تحريض سلطان زنجبار العماني سعيد برغش لسلطان قبيلة “جلدي” القادري ضد الأحمدية لأن السلطان العماني كان قلقا مما اعتبره توغلا وهابيا في الصومال(8)[9]، لكن الحقيقة أن الأحمدية لم يكونوا سلفيين.

ويبدو أن الحركة الأحمدية سعت إلى تأسيس تصوف على أساس الأصول الشرعية و كانت هذه خطوة هامة في تطور التصوف في الصومال لأنه مثل زواجاً ما بين المعرفة الروحانية والنشاط الاجتماعي، ولا سيما أنها جاءت في وقت غلب على الحركة القادرية (الأم) كل أشكال الدروشة والبدع والانزواء والسلبية، ولا شك أن سر الاستجابة والانتشار السريع للجماعة، كان يعود إلى الانحطاط الذي كانت تعانيه الحركة القادرية، إضافة إلى الحاجة الملحة للتجديد الديني في ظل تكالب القوى الاستعمارية على الصومال مما كان يستدعي حركة دينية نهضوية ترفع راية الدعوة الإسلامية الصحيحة في وجه التنصير الذي كان أحد أذرع الاستعمار من جهة ويرفع راية الجهاد والمقاومة في وجه المد الاستخرابي من جهة أخرى، وبالفعل استجابت الحركة الأحمدية تلك المطالب الشعبية، حيث بذلت الطريقة الأحمدية جهودا مشكورة في مقارعة المحتل تميزت بها عن كثير من الطرق الصوفية في عصرها.

 

الصالحية

تُعتَبر هذه الطريقة بدورها رائدة في نشر الإسلام في هذه البلاد -الصومال- وتنتسب هذه الحركة إلى محمد بن صالح المتوفى في العام 1513م/919هـ، وهي فرع من الأحمدية وعمل على نشرها، وبعد وفاته لم توقف عجلة الحركة دورانها، بل انتشرت الدعوة في البلاد، وكان قائدها من خلفه الشيخ محمد جوليد الذي أسس مركزاً للطريقة الصالحية في منطقة شدلي القريبة من بلدتَيْ جوهر وبلعد على نهر شبيلي(9)[10]. وكذلك الشيخ علي ميى دوركبا الذي توفي عام 1917م، والشيخ علي نيروبي الذي أسس جماعة قرب مدينة بارطيره ونشر الطريقة علي ضفاف نهر جوبا. ومنهم الشيخ أحمد فارح، وحاج علي دقري الذي أسس جماعة راحولي قرب مدينة جللقسي، ومحمد حسن أحمد أبيكر. ومنهم الشيخ المجاهد حسن برسني الذي أسس جماعة جاليالي قرب مدينة جوهر واصطدم مع الاحتلال الإيطالي الفاشي وأعلن الجهاد ضدها حتى ألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن المؤبد واستشهد في السجن عام 1929م.

وتلقت الدعوة الصالحية قبولا واسعا في أوساط الشعب الصومالي ولا سيما في أيام المجاهد الكبير محمد عبد الله حسن الذي هاله قتل مؤذن في مسجد بربرة لأن صوته يقلق حاكم المدينة من نومه، كما هاله حركة التنصير التي تقوم بها البعثات التنصيرية خاصة مع أطفال المسلمين، كما تزامن ظهوره في وقت لم يكن هناك أي حركة جهادية في الصومال بالرغم من استباحة إثيوبيا لهرر وما جاورها واقتطاع القوى الأوروبية المتنافسة لأجزاء كبيرة من الصومال.

وقد اتبع السيد سياسة سلمية في بداية حركته تقوم على نشر التعليم بين الناشئين وتوعية الناس بأمور دينهم، وحثهم على التمسك بالدين في مواجهة حركة التبشير، وحب الوطن والحنق على المحتل الأجنبي الغاصب، وعندما نجح في تحريك عواطف ومشاعر الصوماليين الدينية والوطنية انتقل إلى الحرب والكفاح المسلح.

والحقيقة أنه اكتسب أنصاراً ومريدين أصبحوا نواة لجهاده ضد القوى الاستعمارية الثلاث إثيوبيا وبريطانيا وإيطاليا وركز السيد معظم جهاده على الإنجليز وألحق بهم شر الهزائم في أكثر من مواجهات وأباد وحدات بريطانية بأكملها، استخدم الإنجليز كل ما لديهم من جيش جرار وأسلحة ومدافع وطائرات ضد الدراويش وقد ألقي أكثر من 100 قنبلة على حصن تليح التي كانت إحدى أهم قلاع السيد، وكان أول إفريقي استخدمت ضده الطائرات لضراوة مقاومة الدراويش في وجه البريطانيين.

وعلى الرغم من أن معركته مع الاستعمار غير متكافئة بفارق التقنية والعدد، إلا أنه خاضها بشجاعة لأكثر من عشرين عاما، وتجدر الإشارة إلى أنه لو لا تواطؤ بعض قوى الطرق الصوفية والواجهات العشائرية مع المحتل البريطاني والإيطالي بقناعات مذهبية ومصالح آنية لاستطاع السيد توحيد الصومال وتحريرها.

وتعتبر ثورة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله حسن أهم الانتفاضات الدينية التي انفجرت في كثير من المناطق الصومالية حماية للعقيدة الإسلامية وسعيا إلى تحرير البلاد والعباد من الاستعباد والاستخراب، ومن هنا ظل فكره فيما بعد موضع إلهام في سياق معركة الاستقلال والتوحيد بحكم أنه أول باعث النهضة القومية الصومالية.

 

الأدوار السياسية والاجتماعية للطرق الصوفية

من الواضح أن شيوخ وزعماء الطرق الصوفية في الصومال اضطلعوا بنشر وتعميق العقيدة الإسلامية بطريقة مبسطة من خلال إلزامهم لمريديهم وأتباعهم بمنهج تعبدي وخلقي معيّن. وكانت درجة نجاح الشيوخ في هذا المسعى تعتمد على ما يتمتعون به من مكانة وسلطان روحي. وساد اعتقاد وسط جمهرة المريدين والأتباع أن مخالفة الشيخ أو الولي تعود عليهم وعلى أطفالهم باللعنة والضرر، وأن الشيخ قادر حياً وميتاً على أن ينقذ ويغيث ويشفع لمن يتوسل به.

قام شيوخ الطرق بوصفهم فقهاء ومتصوّفة بالعديد من الأدوار والوظائف في مجتمعاتهم ومن أمثلة ذلك دور المرشد، والمعلم، والإمام، والمأذون، والطبيب، والوسيط النزيه في فض النزاعات. كما كان الناس يستشيرونهم ويستفتونهم في أمورهم وشئونهم الحياتية المختلفة ويلجئون إليهم لإطعامهم عند الحاجة.

وقد أسس مشايخ الطرق الصوفية مراكز في القرى والأرياف حيث أصبحت موئلا للمعوزين إلى جانب حصولهم على قدر من المعارف الإسلامية، وقد مثَّل ابتكار تأسيس المزارع الجماعية في جنوب الصومال من قبل بعض علماء الطريقة الأحمدية خطوات متقدمة في القضاء على الفقر والمجاعة لدى السكان.

لقد اخترقت الطرق الصوفية الحواجز القبلية وتجاوزت بمسلكيتها الأخلاقية أطر التعصب ساعية بكل قوتها وعلي نحو عفوي لإيجاد تدامج وطني عام يشمل كل هذه الكيانات وكانت الحركات الصوفية الصومالية العابرة للحدود المزيفة بين الصومال وإثبوبيا أو بين الصومال وكينيا هي الرد الوحيد علي التجزئة الاستعمارية للطيف الصومالي.

أما ارتباط الحركة الصوفية بالسياسة، فنجد أنه كان ضعيفا في الساحة الصومالية(10)[11]. ولعل مرد ذلك طبيعة التنشئة الصوفية التي لاتكترث بالسياسة، وتشيطن ممارسة السياسة وتولي اهتمامها في الجانب الروحي.

الاستجابة الصوفية الأكبر للسياسة تجسدت في ثورة السيد محمد عبد الله حسن الذي على خلاف معظم المدارس الصوفية في الصومال آنذك؛ قاوم المستعمر الأجنبي من منطلق سعيه لتأسيس الإمارة الإسلامية وكان على الطريقة الصالحية ويتضح من خلال أشعاره ومناظراته أنه كان رائد الإسلام السياسي في الصومال، ولعل ما يدل أيضا على الانفصام بين الصوفية والسياسة في الصومال ما بدا من كثير من أهم الشيوخ الصوفية أثناء الفترة الاستعمارية والانصراف عن مقاومته ومدافعته، وفي كثير من الأحيان التعامل معه كحاكم شرعي للأمة وتلقي الإعانات المالية منه، بل وقف بعض المتصوفة في مواجهة المتصوفة المجاهدين، ودليل ذلك رفض الحركة القادرية جهاد حركة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله ووصفها بالفتنة.

لكن في الأربعينيات من القرن الماضي، كان هناك توغل صوفي ملحوظ في حركة التحرر الوطني المتمثلة بحزب وحدة الشباب الذي اعتبر الإسلام مصدرا للتحرر والوحدة وكان لبعض علماء الصوفية كعبد القادر سخاودين -أحد أعضاء حزب وحدة الشباب- دور بارز في الحزب لأن الإسلام مثّل الوسيلة الأمثل التي يعبر الصوماليون من خلاله عن التلاحم الوطني وكان حزب وحدة الشباب انبعاث وطني ديني ممزوج بمشاعر قومية.

وانصبت جهود علماء الصوفية قبيل الاستقلال في ترسيخ إسلامية وعروبة الصومال، حيث واجهوا مخططات الاستعمار التي كانت ترمي إلى إقصاء الإسلام واللغة العربية، وردوا كثيراً من مخططات الاستعمار على عقبها بالتعاون مع رواد حزب وحدة الشباب.

وفي ظل الحكومات المتعاقبة في الحكم ما بين 1960-1990م لا نلاحظ دوراً صوفياً فعالاً، ما عدا محاولات النظام العسكري لكسب الود الصوفي وقيامه بتعيين بعض رموز الصوفية لمناصب عدة في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

 

المراجع:

[1] كاتب صومالي واستاذ جامعي* نشر أصل هذه الدراسة في كتاب المسبار الشهري، الإسلاميون في الصومال، يونيو(حزيران) 2010.

[2]. حسن أحمد محمود: “الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا” دار الفكر العربي 1423هـ-2002م، ص 374.

[3] حسن مكي محمد: “السياسات الثقافية في الصومال الكبير” شعبة البحوث والنشر المركز الإفريقي، الخرطوم 1987م، ص39.

[4] د. حسن مكي “السياسات الثقافية في الصومال الكبير” ص41

[5] Religious Orders and the Cult of the Saints available at http://countrystudies.us/somalia/47.ht5

[6] راجع د. حسن مكي “السياسات الثقافية في الصومال الكبير” بتصرف ص49 -51.

[7] د. حسن أحمد محمود: “الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا” ص 374.

[8] راجع د.حسن مكي “السياسات الثقافية في الصومال الكبير ” ص43

[9] Baadiyow, Abdurahman Abdullahi “Islamic Militancy in the History of Somalia” available at:  http://www.hiiraan.com

[10] شافعي محمد “خريطة الحركات الإسلامية في الصومال ” منشور في موقع إخوان أوين لاين بتاريخ 19/5/2009م

[11] I.M. LEWIS “a modern history of the Somalia” fourth edition, Eastern African Studies pp15

یستمر...

 

المصدر: مركز المسبار للدراسات والبحوث

https://www.almesbar.net