الظواهر الخاصة للإسلام في الصومال(3)

  • رقم الخبر 2266
  • المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»

المخلص تحول التيار العربي بعد أن كان لغة الإدارة والتسجيل والمراءلات والعهود قبل الاستعمار إلى لغة التخاطب ‏والتفاهم والمكاتبات بين الصوماليين والعرب.


موقف الإدارة الإيطالية (أثناء فترة الوصاية) من حركة التعريب:‏

عرفنا شيئا عن حركة التعريب وعن لغة الكتابة التي كانت معروفة في سائر البلاد لدى الصوماليين منذ ‏الأزمنة القديمة حتى دخول الاستعمار إلى شبه جزيرة الصومال وما تلاه من تقسيم الوطن الصومالي إلى ‏خمس وحدات سياسية تتكلم الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والأمهرية مع المستعمر الذي جعل هذه ‏اللغات هي لغة الإدارة والوظائف بجانب اللغة الصومالية والعربية.‏

وتحول التيار العربي بعد أن كان لغة الإدارة والتسجيل والمراءلات والعهود قبل الاستعمار إلى لغة التخاطب ‏والتفاهم والمكاتبات بين الصوماليين والعرب، وكان هذا التحول لا عن رغبة من الصوماليين أو اتجاههم ‏،وإنما عن مخطط استعماري الهدف منه تحويل التيار الثقافي العربي الإسلامي في الصومال إلى تيار ثقافي ‏غربي سواء بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية بغية ضم المنطقة إلى نفوذ أوروبا والثقافة الأوروبية وأن ‏يتجهوا بعقولهم وقلوبهم إلى أوروبا ريثما تتهيأ الفرص السانحة للمبشرين لتحويل الشعب من الإسلام إلى ‏المسيحية، وبذلك تصل أوروبا إلى هدفها وهو خلق مجتمع إفريقي مكمل للمسيحية الحبشية وتكون ‏وسيلة لاندماج الصوماليين والأحباش في دولة مسيحية كبرى في أفريقيا، يمكن الاعتماد عليها في تحقيق ‏آمالها في أفريقيا وأبعادها عن العالم الإسلامي والكتلة الشرقية الإسلامية بصفة خاصة.‏

وحينما أدرك المستعمر أن ربط الشعب الصومالي المسلم بعجلة الغرب سواء في التبعية الثقافية أو اللغوية ‏أو الديانة أصبح شيئا مجالا وأن الشعب أعلن في مناسبات عديدة عن تصميمه على اتخاذ اللغة العربية لغة ‏أساسية للتعليم في المدارس وفي الإدارة، كما كان عند أجدادهم السابقين بجانب لغة الأم وهي الصومالية ‏‏– فتحول خبراء الاستعمار الثقافي إلى غاية أخرى هدفها أيضا ربط الثقافة الصومالية بالغرب وهي أن ‏تكتب اللغة الصومالية بحروف لاتينية، غير أنهم وجدوا أيضا مقاومة شديدة من جانب زعماء البلاد ‏واستمرت الحياة الصومالية في تخبط وتعثر بين اللغات الدخيلة القادمة مع الاستعمار واللغة العربية الوافدة ‏مع الدين الإسلامي الذي يدين به الشعب، وهي لغة القرآن الكريم وسيرة الرسول والفقه والشريعة والعلوم ‏الإسلامية وغيرها.. وبين حنينهم إلى كتابة لغة الأم (الصومالية) لتكون لهم لغة مكتوبة. واستمر هذا الصراع ‏الثقافي واللغوي منذ (حوالي 1884) حتى إنشاء أول مجلس إقليمي في صوماليا في يناير 1951، إذ ناقش ‏المجلس الإقليمي في جلسة 7 فبراير مشكلة اللغة على ضوء الاستفتاء المقدم بشأن اللغة العربية كلغة ‏رسمية للدولة، فأعلن الحاكم الإداري أن الإدارة ستأخذ بالإيطالية والعبية في المدارس والمكاتب واستعمال ‏الصومالية في المعالمات – ولكن كان إعلان الحاكم عن اللغة العربية يكتنفه الغموض، لذلك تقدم ‏المستشارون: معلم حسن – دعاله فهمي – شيخ عبدالله شيخ محمد – حاج مسن أحمد – حاج عبدالله – ‏أمين محمود أحمد – وجاني عمر – عبدالرحمن علي عيسى – إمام عمر علي – حاج موسى بفر.. بطلب ‏تصريح واضح في صورة قرار بأن اللغة العربية لكونها لغة القرآن الكريم ومكتوب بها دين الصوماليين ‏يجب أن تكون اللغة الوحيدة بجانب اللغة الإيطالية في المدارس وفي المكاتبات الرسمية. فوافق ‏المستشارون جميعا على ان تكون العربية لغة صوماليا الرسمية نظرا لأهمية اللغة العربية في القطر الصومالي ‏بالنسبة للغات الأخرى سواء من الوجهة الدينية أو من الوجهة العملية في الحقل الدولي.‏

غير أن رئيس المجلس أعلن أنه سيفحص تدريجيا كل وسيلة ليخرج من اللهجات الصومالية المختلفة لغة ‏يمكن أن يتكلم بها الشعب، لتكون لغة رسمية قومية،وكان هذا داعيا لأن يثور الشعب خارج المجلس ‏الإقليمي وامتدت الثورة إلى أنحاء كثيرة خارج العاصمة مما جعل رئيس مجلس الإدارة الوصية يقول في ‏حفل افتتاح الدورة الثانية للمجلس الإقليمي في 4 اكتوبر 1951 (إنني أعجب من التشويش الذي يراد ‏ترويجه في حدود مسألة من هذه المسائل التي أجرى عليها البحث من قبل في المجلس الإقليمي وحلت ‏من طرف الإدارة إلا وهي مسألة اللغات – فاللغات التي خصصت للتدريس شيء بينما اللغات الرسمية ‏شيء آخر). ثم قال (أن اللغة الإيطالية هي اللغة الوحيدة التي يمكن للصوماليين بواسطتها أن يتعاملوا مع ‏الإدارة الإيطالية والتقدم في شتى فروع الحياة العمومية، والتخصص فيها، وفي الخلاصة القيام بإدارتها. ‏وأما اللغة العربية فإنها لغة الدين التي يمكن للصوماليين بها التفاهم مع إخوانهم العرب.. وفيما يخص ‏اللغة الرسمية للدولة فعلى الجمعية الشتريعية المقبلة (1956) أن يختار لغة صومالية وستحل المسائل ‏المتعلقة باللغة الصومالية من قبل منظمة الأمم المتحدة لليونسكو).‏

وبذلك فرض الحاكم العام الإداري اللغة الإيطالية كلغة الإدارة والأعمال الحكومية والرسمية وما أشبه بذلك ‏‏. أما العربية فهي للتفاهم بين العرب والصوماليين.. وأن خبراء اليونسكو سيقومون بكتابة الصومالية ‏بالحروف اللاتينية.. وأن هناك فرقا بين لغة الإدارة ولغة التدريس.. أي أن لغة الحكومة وملحقاتها هي ‏الإيطالية، أما في التدريس فإن العربية سيكون لها شأن آخر، وفي الوقت الذي يفهم فيه الزعماء بأن ‏التدريس سيسير وفق مطالبه نرى الحاكم يرسل منشورا دوريا في اليوم التالي إلى كافة حكام الأقاليم ‏والنواحي وهم من الإيطاليين... تحت رقم سري وعاجل.. بأني قوموا بمراقبة المدارس التابعة للإدارة ‏الإيطالية وأن تكون اللغة العربية لغة ثانوية ليس لها تأثير على ثقافة التلاميذ، وفيالوقت نفسه، يكون التعليم ‏في المدارس التابعة للإدارة الإيطالية وأن تكون اللغة العربية لغة ثانوية ليس لها تأثير على ثقافة التلاميذ، ‏وفي الوقت نفسه، يكون التعليم في المدارس مقصورا على أبناء الحكام ورجال الدولة والشخصيات ‏البارزة الموالية لإيطاليا التي يمكن أن تحتل مراكز هامة في الحكومة المقبلة، وإذا اضطر الأمر فلا مانع من ‏دخول طالب أو اثنين من أبناء العامة بهدف إظهار أن العلم للجميع، وإجراء ذلك بما ينساب من وسائل ‏على أن تكون هذه النشرة سرية للعلم والتنفيذ (ونص الرسالة موجود في كتاب: ‏Punkhurst, E.S.: ‎Ex-Italian somaliland, ‎‏1951‏

ومن هذا العرض الموجز للخطط التي وضعتها الإدارة الإيطالية من تدعيم نشر الإيطالية وجعل العربية لغة ‏ثانوية وفي الوقت نفسه تعمل على خلق جبل جديد من الموظفين والإداريين ذو الثقافة الإيطالية على أن ‏تقوم نزعة جديدة بدافع الإلهام والإحساس الوطني بأن اللغة الوطنية يجب كتابتها بحروف لاتينية لتسير وفق ‏الثقافة الغربية من ناحية، ولبلبة الأفكار من ناحية أخرى، ولا مانع من تشجيع كتابة اللغة الصومالية ‏بحروف عثمانية أو عربية على أن يكون ذلك مجالا للتنافس خلال فترة الوصاية، وينتهي الوضع بمحور ‏جديد بتسمم بالقق يكون مضادا لرغبات المحور الأول الذي تثقف وتشبع باللغة الإيطالية فتكون النتيجة ‏اختيار الحروف اللاتينية أو فوضى ثقافية بمعنى أدق تكون منار القلق الدائم لحكومة المستقبل.‏

وفي عام 1955 قبل أن يظهر المجلس التشريعي الأول لصوماليا ظهرت نزعة جديدة لكتابة الغة الصومالية ‏بحروف عثمانية، هذه لنزعة دخلت إلى مجال الدعاية الحكومية والإدارة، نحو استعمال الحروف العثمانية ‏في كتابة اللغة الصومالية، حتى إذا ما تكون المجلس التشريعي كان الجو اللغوي الجديد يتسم بعدم ‏الاستقرار، واستمر الحال كذلك حتى أعلن قيام الجمهورية الصومالية في أول يوليو عام 1960.‏

وفي أكتوبر 1960 تكونت لجنة اللغة الصومالية وبدأت أعمالها في 2 نوفمبر من نفس العام، وهي من ‏ثمانية أعضاء صوماليين فقط لهم خبرة فنية في معرفة اللغة الصومالية، وانقسمت اللجنة إلى من يؤيد ‏الكتابة بالحروف العربية ومن يؤيد الكتباة بالحروف اللاتينية.‏

وفي شهر مارس عام 1962 ظهر كتاب الصومالية بلغة القرآن (محاولة وطنية لكتابة لغة الأم وضع الأستاذ ‏إبراهيم حماش محمود.. وقد جاء في الفصل الأول بعض الكلمات المشتركة بين الصومالية والعربية ‏المأخوذة من كتاب الله العزيز وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تلا ذلك آيات قرآنية وأحاديث ‏شريفة وقدم لها شروحا بالعربية والصومالية.‏

ثم تعرض المؤلف إلى لاكلمات والعبارات والجمل المشتركة في اللغتين فيما يشبه القاموس المشترك، ‏وهو لا شك مجهود جبار ومحاولة وطنية ناجحة لكتابة اللغة الوطنية بلغة القرآن الكريم.‏

وفي مقدمة الكتاب.. أشار المؤلف إلى الأسف الشديد لضياع كثيرمن التراث الفكري والحضري لعدم ‏وجود لغة مكتوبة وطنية، وناشد أبناء وطنه الإسراع نحو كتابة لغتهم الوطنية بلغة القرآن الكريم للمحافظة ‏على القومية الصومالية والنهوض بها إلى مستوى رفيع من الحضارة والمدنية.‏

ويشير المؤلف إلى لابواعث والدواعي لاختيار الحروف العربية لكتابة اللغة الصومالية.. قائلا (إن اللغة ‏الأمهرية ليست لغة ثقافة، فلم تكتب بها علوم ولا آداب كما أنها لغة ميتة مقصورة على بلاد الحبشة لا ‏تتعداها حتى إلى أقرب البلاد إليها علاوة على أن دراستها لم تبلغ بعد المرحلة العالية من التعليم. أما ‏اللاتينية فعلاقة الصومال بها علاقة استعمار، فالاستعمار هو الذي أتى لنا بها، وفرض علينا دراستها فرضا، ‏واليوم وقد تخلصنامن شبح الاستعمار السياسي وجب أن نتخلص من آثاره ورواسبه، واللاتينية تذكرنا ‏دائما بأعمال الاستعمار وبقاء سيطرته علينا فكريا وغير فكري فضلا عن أن التبشير والكنائس ترعى اللاتينية ‏وتروجها فكريا وغير فكري فضلا عن أن التبشير والكنائس تحت ظروف الإغراء واستغلال الحاجة إلى ‏المال، ولا فائدة من اختراع كتابة جديدة تستغرق تسويتها وبحث حروفها سنوات طويلة في هذا الوقت ‏الذي نريد أن نسابق الزمن في السير إلى الأمام، كما أن هذه الحروف الجديدة تكلفنا القيام بأعمال وجهود ‏صعبة لسنا في حاجة إليها. ولذا اخترنا لكتابة لغتنا حروفا جاهزة معدة بأدواتها وآلاتها ومطابعها وسائر ‏حاجاتها الأخرى) وعليه فإن الحروف العربية هي أنسب الحروف لكتابة لغة الأم للأسباب التالية علاوة ‏على الأسباب السابق ذكرها:‏

‏1- إن شعبنا مسملم يحتاج دائما إلى دراسة الدين وقراءة القرآن الكريم بلغة الدين وهي العربية ودراسة ‏الدين واجبة بنص الدستور. 2- إن كل الأقطار الصومالية إلى العربية أقرب منها إلى أي ثقافة أو لغة أخرى ‏فالعربية موجودة ومألوفة على حد سواء بها يتلى القرآن في الكتاب (الدكسي) وبها تدارس أحكام الشريعة ‏الإسلامية وسنة النبي السكريم. 3- إن كتابة الصومالية بالحروف العربية يجعلنا على صلة وثيقة بالثقافة ‏الإسلامية بسبب التشابه الخطي بين الكتابتين. 4- إن وعينا بالقرآن بالحديث الشريف يظل باقيا دائما في ‏ذاكرتنا طالما تكتب الحروف العربية، يخلاف أي لغة أخرى فقد يؤدي هذا على مر السنين إلى الابتعاد ‏التدريجي عن لغة ديننا. 5- إن اللغة العربية تعتبر عبر اللغات الحية في العالم ومن هنا كان من السهل ‏الحصول على مطابعها وسائر أدوات الكتابة بها يسر وسهولة، الأمر الذي يوفر لنا مجهودات ضخمة ‏ونفقات باهظة يتحتم علينا القيام بها لو أننا شرعنا في اختراع حروف جديدة. 6- إن أي مثقف صومالي لا ‏بد أنه تعلم مبادئ العربي وعرف كتابتها وعلى هذا يمكننه أن يكتب لغته بنفس الحروف التي تعلمها في ‏‏(الدوكسي) وهو صغير وبذلك يوفر على نفسه المجهود الذي يضيعه في تعلم لغة أخرى لا يتكلمها هو ‏ولا شعبه. 7- إن هناك شعوبا إسلامية تكتب لغتها بالحروف العربية مثل الباكستان وإيران والملايو وغيرها ‏لنفس السبب. 8- إن اختيار الكتابة العربية يجعل علاقتنا مع العالم الإسلامي باقية ودائمة باعتبارها لغة ‏المسلمين أثر مما لو أخذنا كتابة حروف أخرى. 9- لو كتب الصومالية باللاتينية لاحتجنا إلى جيش يعد ‏بالآلاف من المعلمين الأجانب هذا وفضلا عن أن ذلك يحمل الخزانة الصومالية نفقات باهظة جدا تجعل ‏من الصعب تحقيقها وتحتاج لفترة طويلة جدا تستغرق أكثر من ثلاثة أجيال لأن تكون مفهومة بمراجعها ‏وقواميسها... إلخ. 10- لو اختيرت حروف غير العربية في كتابة الصومالية فمعنى هذا أن الطفل في ‏المدرسة الابتدائية سيقتصر في دراسته عليها، لأنه لايمكن أن يقوم بدراسة لغتين في وقت واحد في مرحلة ‏الطفولة، كما يقول التربويون ومعنى هذا أننا سنحرف الأطفال عن دراسة الدين الإسلامي بالعربية أي أن ‏الجيل التالي سيكون بعيدا عن الدين الإسلامي وهذا مايهدف إليه الاستعمار والمبشرون.‏

 

المصدر: الصومال قديماً وحديثاً، تأليف حمدي السيد سالم