سيرة الإمام أحمد جرى وفتوح الحبشة(1)

  • رقم الخبر 2237
  • المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»

المخلص ولد أحمد بن إبراهيم الملقب بأحمد جرى (الأغسر) في مدينة هبت لعام 908 هجرية (1500 م) ‏من أب وأم ‏صومالية من كرائم العائلات بمقاطعة هرر‏.


الإمام أحمد جرى

نشأته:

ولد أحمد بن إبراهيم الملقب بأحمد جرى (الأغسر) في مدينة هبت لعام 908 هجرية (1500 م) ‏من أب وأم صومالية من كرائم العائلات بمقاطعة هرر، ويروى عن نفسه أنه كان ابن أحد الساوسة بقرية ‏ايجو المسيحية، وأن أباه كان مسلما في بدء حياته ولكن الأحباش نصروه وجعلوه قسيسا في قرية ايجو، ‏وأن والده قد اختار له رفيقا في حياته هو الصديق عدولي الذي نشأ مه كأخ، فأصبح مؤتمنه، ثم زميله في ‏السلاح فميا بعد، ومن كبار دعاة الإسلام، ومن قواده البارزين في شرق أفريقيا.‏

تلقى أحمد بن إبراهيم مبادئ العلوم الإسلامية على يد شيوخ هرر وعلمائها، ثم ارتحل في صباه إلى زيلع ‏مع والدته وأخواله، وفي زيلع سمع الكثير عن أحوال المسلمين خارج وداخل شبه جزيرة الصومال ‏فدرس كتب السيرة والتفسير وحفظ ما شاء الله من القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ‏وتفوق على زملائه بذكائه الخارق وإدراكه السريع وحيويته في السؤال والجواب، غير انه لم يستقر في ‏زيلع طويلا بسبب المشاحنات على خلافة الحكم، وانتشار روح المسيحية في بعض نواحيها، وآثر أن ‏يعود إلى هرر من موطن آبائه وأجداده وحيث الفقهاء والعلماء في كل المجالات الإسلامية من تشريع ‏وتفسير وحكم ومتون، وحيث تكتظ بالكتب العلمية والأدبية والدينية والمخطوطات النادرة فعاد إلى هرر ‏ليشبع رغبة نفسه علما وهدى وتفقها في الدين. وبعد سنوات من التحصيل والدراسة صار شيخا عالما ‏رغم حداثة سنه.‏

وكان أحمد بن إبراهيم يتلقى دروس الفروسية والرياضة من أبناء عمومته فشب مكتمل الصحة بارعا في ‏رمي السهام، فارسا لا ينافسه أحد، جريئا شجاعا في الحق، متفانيا في خدمة دينه ووطنه.‏

ظروف النشأة والتكوين الشخصي:

شب أحمد بن إبراهيم، فأحس ما يعانيه إخوانه الصوماليون المسلمون ‏من اضطهاد وتفتت الوحدة الإسلامية التينادى بها الرسوم الكريم وتفشي الرشوة والمحسوبية بين الإمارات ‏الإسلامية، والتنافس على الحكم وإهمال حقوق الشعب، والابتعاد عنا لمنهج السليم للدين، والاقتراب من ‏الرذيلة، وعبث بعضهمب حقوق بعض، حتى تدخل في أمر المسلمين حكام أجانب في أكسوم وأمحرا، ‏وفرضوا الأتاوات على الإمارات الإسلامية، حتى أن بعض الإمارات كانت تقدم في كل عام علاوة على ‏الهدايا للحطى ملك الحبشة امرأة صومالية مسلمة لكي ينصرها الحطى ويتخذها ضمن حريمه، كما فرض ‏الأحباش على المسلمين عدم لبس عدة الحرب أو ركوب الخيل أو إنشاء القوات المحافظة على الأمن ‏والحدود.‏

وأمام هذا النزاع الداخلي والفوضى في الدول الإسلامية الصومالية وتدخل نصارى الحبشة في شئون ‏المسلمين اتخذ أحمد بن إبراهيم سياسة خاصة، انفرد بها عن سائر إخوانه، تتمثل هذه السياسة في الأمر ‏بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنصاف المظلومين، وإعلاء كلمة الدين، والمحافظة على استقلال وطنه، ‏والضرب على يد العابثين بتقدم الأمة الإسلامية بعد تثبيت أركان الإسلام في وطنه.‏

فدخل أحمد بن إبراهيم معارك باسم الهلال كان له فهيا النصر دائما على الصليب. وسلاحه الأول الدعوة ‏بالسلام والمحبة، تحقيقا لقوله تعالى (لا إكراه في الدين) فلم يلجأ إلى المكر والخديعة وإنما سار وفق ‏منهج الدعاة المسلمين، فكان له من طبيعة نفسه الصافية لوجه الله خير سند معين لأن يحقق لأمته ما لم ‏يحققه أحد من قبل، فحق علينا أن نسميه صلاح الدين يوسف الحبشة لانتصاراته ونجاح دعوته ضد ‏الحروب الصليبية التي شنها نصارى الأحباش ضد مسلمي الصومال، وقد قال عنه المؤرخ الكبير رينيه باسه ‏‏(مستشرق فرنسي) أن أشهر دور من أدور التاريخ الأثيوبي التي بقيت أخبارها محفوظة في أذهان الغربيين، ‏هو أحمد جرى الصومالي الذي كاد أن يسحق النصرانية الحبشية، وبعيدها كبلاد النوبة إلى الإسلام.‏

وقد سجل المؤرخ العربي شهاب الدين عبدالقادر الملقب بعرب ففيه سيرة أحمد بن إبراهيم منذ نشأته إلى ‏أن وافته المنية في إحدى المعارك في كتاب عظيم من جزئين باسم (فتوح الحبشة) ويمثل الكتاب في حد ‏ذاته ثورة كبيرة في التاريخ الصومالي والتاريخ الحبشي، إذ أنه سجل حافل بالأحداث كما رآها شاهد عيان ‏، وقد فقد الجزء الثاني من الكتاب، أما الجزء الأول فقد قام المستشرق الفرنسي رينيه باسه بترجمته إلى ‏الفرنسية، وقد أمكننا أن نستكمل سيرة الإمام من الموجز الذي ورد عن سيرة أحمد بن إبراهيم في كتاب ‏حاضر العالم الإسلامي (الجزء الثالث) وغيره.‏

 

ظهور أحمد بن إبراهيم على مسرح الأحداث

حين تولى حكم دولة (عدل – أوفات) الأمير منصور بن محفوظ بن محمد بن الجراد أوش أقام الحق، ‏وأمر بالمعروف،ونهي عن المنكر، وعمرت البلاد في زمانه، وصلحت الأحوال، واستقام أمر الرعية، ‏وقل تدخل النصارى في شئون البلاد، فقد أعلن الأمير منصور أن لا جزية ولا هدية تقدم للحطى ملك ‏الحبشة، قائلا اتحدوا يا مسلمون من أجل وطنكم ودينكم.‏

وكان أحمد بن إبراهيم يومئذ فارسا من فرسان (الجراد أبون) الذي أعلن عن تقديره لكل من يعمل من ‏أجل وطنه وأخواته المسلمين، وكان الجراد أبون بيحب أحمد بن إبراهيم حبا شديدا لما رآه فيه من ‏صفات الشجاعة والبراعة في الحروب، والصدق والأمانة في السلم، ولشدة غيرته على الإسلام فاتخذه ‏صديقا لرجاحة عقله، ولما اشتهر به من رأي وسداد في حكمه وعقله.‏

وحدث أن تولى شئون البلاد حاكم جديد هو السلطان أبو بكر من ذرية سعد الدين وأساء السيرة في الرعية ‏، وظهر قطاع الطرق وحدثت أمور أوجبت استنكار العلماء والفقهاء من المظالم وشرب الخمر.‏

فأعلن الجراد أبون عصيانه لأوامر الحاكم الجديد، وعدم رضائه عن أحوال البلاد، مما ضايق السلطان، ‏وجعله يقوم على رأس جيش لمحاربة الجراد أبون وأتباعه. وخرج جيش الجراد أبون برياسة الجراد عمر ‏الدين ومساعدة أحمد بن إبراهيم بقوة قدرها مائة فارس بأسلحتهم لمقاتلة السلطان وأتباعه غير أن الأنباء ‏وصلت قبل اشتباك الطرفين، وتشير إلى أن أحد البطارقة الأحباش ويدعى فانيل من أهل إمارة دواروا ‏المسلمة قد وصل البلاد الإسلامية وأسر عددا كبيرا من المسلمين ونهب مواشيهم.. فاضطر أحمد بن ‏إبراهيم أن يقنع من معه بوجهة نظره في القيام بغزوة سريعة على جيش النصارى فكان له ما أراد وتقابل ‏المسلمون والنصارى في مكاني دعى عقم (نهر عظيم كثير المياه) وانتصر المسلمون وقتل من النصارى ‏الكثير وغنم المسلمون غنائم كثيرة.‏

وكان في هذا الانتصار الذي أحرزه جيش الجراد أبون على النصارى ما أغضب السلطان بقدر ما سمعه عن ‏أحمد بن إبراهيم وبراعته في الحروب،والتخطيط اللمعركة قبل الهجوم. والانتصار بقليل من الضحايا ‏التابعين له. وضخم الرواة في أعمال أحمد ابن إبراهيم حتى عزم السلطان أن يقضي عليه في أول معركة ‏خشية أن يزداد اتباعه لورعه وفروسيته، فخرج على رأس جيش كبير وتقابل مع جيش الجراد أبون في ‏مكان يدعى كداد وتمكن أحمد بن إبراهيم من أن يشتت جيش السلطان رغم كثرة عدد جنوده، وأن يعود ‏ضافرا بغنائم كثيرة إلى هرر.‏

ومرة أخرى جمع السلطان كل قواه وحشد خلقا لا يحصيه حاسب، وزحف بهم إلى هرر معقل جيش ‏الجراد أبون فاضطر أحمد بن إبراهيم أن يخلي مدينة هرر من السكان وأن يجعلهم يعتصمون جميعا لدى ‏جبل عظيم في هوبت ربرت حتى وصل جنود السلطان وأقاموا الحصار حول الجبل واستمرت المقذوفات ‏بين الطرفين حتى قتل قائد جيش الجواد أبون (عمر الدين) وأصبح على (أحمد بن إبراهيم) أن يتولى ‏قيادة الجيش، وتدخل الفقهاء والعلماء والأعيان وأصلحوا بين الطرفين المتنازعين، وقامت فترة هدنة ‏وعادت الجيوش إلى ثكناتها.‏

وخلال فترة الهدنة عمل السلطان على تجريد أحمد بن إبراهيم من أسباب القوة، فسرح الجنود، وانتزع ‏أسلحتهم حتى طلب أن يجرد أحمد بن إبراهيم من سلاحه، ففطن أحمد بن إبراهيم أن خديعة السلطان ‏وهرب إلى بلدة زعكه ومعه ثلاثة من رفاقه وتقابل في طريقه مع غلام السلطان حمدوش بن محفوظ ومعه ‏أربعة خيول فأخذها منه وواصل سيره إلى بلده شيخ، وهناك انضم إليه الأمير جراد (أبو بكر بن إسماعيل) ‏ومن معه من الجند كما انضم إليه الأمير (حسين الجاترى) ومن معه من الجند، وقام أحمد بن إبراهيم ‏بتدريب الجند على القتال وخطط الهجوم والدفاع وعاد أحمد بن إبراهيم إلى هرر بعد معارك طفيفة من ‏أتباع السلطان وصاح المنادي في هرر (كل أحد يلزم بيته، وكل على عادته، ولا تخافوا ولا تحزنوا) وهذا ‏النداء الذي وجهه إلى شعب هرر (أحمد بن إبراهيم) أراد من ورائه أن يعطي الأمان للشعب وأن يبين أن ‏كل إنسان له حريته التي اعتاد علهيا، وأن يزاول أعماله كالمعتاد دون خوف أو اضطراب. وفي الوقت ‏نفسه منح العفو للجميع، فكل على دينه دون أنيعمد إلى التدخل في شئون الآخرين.‏

ووضع أحمد بن إبراهيم أسس الحكم في البلاد على أساس الشريعة الإسلامية، وقام بتنظيم وحدات ‏الجيش. وبعد استكمال تسليح الجيش زحف به إلى أرض السلطان الذي اعتصم بجبل اسمه حون، ضيق ‏عليه الخناق وتدخل الناس من فقهاء وعلماء، وأصلحوا بينهما على أن يكون السلطان على حاله، وأن ‏يكون أحمد بن إبراهيم نائبا للسلطان، والبلاد بينهما بالتساوي على أن يقيم (أحمد بن إبراهيم) في بلدة ‏سيم، والنصف الثاني من البلاد يكون خاضعا للسلطان مباشرة، وأن ينقل مقره إلى مدينة هرر وذلك ‏لحقن الدماء بين الطرفين، وأن يلقب أحمد بن إبراهيم بلقب الإمام.‏

 

تفسير لقب الإمام ولقب جرى:‏

في أشهر الروايات أن تسمية أحمد بن إبراهيم بالإمام أحمد يرجع إلى القصة اليت يرويها رجل يدعى ‏سعد بن يونس العرجي يقول: أنه رأى في منامه، النبي صلى الله عليه وسلم وعن يمينه أبو بكر الصديق ‏وعن يساره عمر بن الخطاب وبين يديه علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وبين يدي علي بن أبي ‏طالب أحمد بن إبراهيم.. فقال الرائي: لهذه الرؤيا. يا رسول الله من هذا الرجل الذي بين يدي علي بن ‏أبي طالب ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل يصلح الله به بلاد الحبشة.‏

وكانت هذه الرؤيا والإمام حينئذ جندي في جيش الجراد أبون ولم يكن الرائي يعرفه من قبل فوصل هذا ‏الرجل إلى هرر زمان الجراد أبون فقص رؤياه على أهلا لبلد، فقالوا له هذا الذي رأيته في منامك (الجراد ‏أبون) فقال الرائي: لا.‏

وبعد فترة طويلة عاد الرائي إلى هرر في زمن أحمد بن إبراهيم فلما رآه عرفه وقال لأهل هرر هذا ‏هوالرجل الذي رأيه في الرؤيا بين يدي علي بن أبي طالب فسماه الناس الإمام.‏

وهناك رواية أخرى تقول أن بعض المشايخ الصالحين رأى في المنام الوالي الصالح أحمد بن حمد بن ‏عبدالواحد القرشي التونسي والشريف الوالي أبا بكر بن العيدروس وهما يقولان لا تسموه السلطان أو الأمير ‏ولكن سموه أمام المسلمين.‏

أما عن تسمية جرى أى الأشول أو العسير بمعنى آخر فمن الرواةمن يقول أنه كان أعسر اليد، والبعض ‏يقول لأنه يجيد الطعن باليسرى، والبعض يرجح أن التسمية جاءت لأنه كان يختار خبرة جنده من ‏الصوماليين، وأنهم كانوا دائما في الميسرة من جيش المسلمين وإن كان عددهم قليلا إلا أنهم صناديد ‏وفرسان بارعون.‏

 

شخصية الإمام أحمد جرى:‏

كان الإمام من أشد الناس تدينا وإيمانا برسالته في الدعوة إلىدين الله، مكرسا حياته وماله في سبيل نشر ‏الدعوة الإسلامية وإعلاء كلمة الله،وقد باع حلي نسائه وأثاث بيته وكل ما يملك لشراء السلاح والأدوات ‏اللازمة لنشر دعوة الإسلام، ضاربا بذلك المثل الأعلى في الجهاد في سبيل الله ورفع كلمته وحينما عرض ‏عليه أهالي أنطوكية عشرين أوقية من الذهب كهدية رفضها، وحينما أرادوا توجيه الهدية لزوجته رفض ‏أيضا وقال لا يحل لنا هذا، وأنفق الذهب في شراء السلاح وأدوات الحرب، واشتهر الإمام بتسامحه مع ‏من طلب العفو والأمان، ولكنه قوي الشكيمة مع المعاندين والطاغين والفاسقين. ولنا عبرة في إكرامه ‏للأمير راجح الذي تنصر وسار في فلك المسيحية فلما ناشده الإمام، يعتدل في سيرته.. قال راجح ‏للرسول المتجه إلى أرض الإمام: كم فعلت وقتلت ونهبت من المسلمين الصوماليين، وأخشى إذا رجعت ‏أن تأخذوني بما فعلته، فلما نقل هذا الاعتراف إلى الإمام أرسل إليه رسولا يخبره بالعفو وأن يستغفر الله ‏عن ذلك الذي فعل.‏

وأروع مثل للتسامح ما قام الإمام به بشأن بكير بطارقة الحبشة (وسن سجد) فقد أعطاه الإمام الأمان حين ‏وقع في يد جيش المسلمين ورغم ما قام به البطريق من أعمال سيئة للغاية فإن الإمام احتفظ بوعده، ‏وهكذا صدق من قال وعد الحر دين عليه.‏

وكان الإمام قويا في غير عنف، رحيما بالمذنبين في غير ضعف، ومبيدا للكافرين أجمعين كما سنرى في ‏سير الأحداث التالية.‏

وكان واسع الأفق عالما بالتخطيطات الحربية، فلا يدخل معركة إلا إذا رسم خط الهجوم والدفاع والتقهقر ‏إذا لزم الأمر، واضعا نصب عبينيه إعداد الجنود فنيا، والعمل على تجديد نشاطهم في فترات السلم، ‏مقسما جيشه إلى مجموعات لا تعدو مجموعة منها على اختصاصات المجموعة الأخرى إلا بأمر القائد أو ‏نائبه، حريصا على أن يكون الجيش مزودا بأحدث الأسلحة والذخائر.‏

ولم يكن هدف الإمام أن يصل إلى عرش الصومال، أو أن يتوج ملكا أو سلطانا، وإنما كان هدفه صالح ‏الشعب والوطن. وظهر هذا حينما طفى السلطان على الرعية، وانهمك في ملذاته مع ندمائه، تاركا ‏للنصارى الفرصة للقيام بأعمال الفساد في البلاد مما دفع الإمام إلى إعلان الحرب على السلطان، وقامت ‏حروب انتصر الإمام أحمد في النهاية ومات السلطان في إحدى المعارك، فأصبح من حقه أن يتولى أمور ‏البلاد بحكم أنه كان نائبا للسلطان، ولكنه أبى أن يتولى السلطنة ورفض مطالب العلماء والقواد بأن يكون ‏سلطانا عليهم، لأنه لم يكن ساعيا للسلطنة في يوم ما، وإنما كان هدفه تحرير البلاد، ونشر الدعوة ‏الإسلامية، وضمان استقلال وطنه في عزة وكرامة.‏

قام الإمام باستدعاء الأمير عمر بن أخي السلطان المقتول، ونادى به حاكما على البلاد.‏

ويمكننا أن نتعرف على شخصية الإمام خلال دراستنا لسيرته التالية في توحيد الجبهة الداخلية للمسلمين ‏والاستعداد لبدء الجهاد في سبيل الله والوطن،ودراسة حالات التحول إلى الإسلام وتصدي ملك الحبشة ‏وكبير البطارقة لقوات المسلمين، والزحف الأول للمسلمين نحو الحبشة،وعودة الجيوش الإسلامية ‏المنتصرة إلى هرر، وحرب المرتدين،والزحف الثاني للمسلمين نحو الحبشة، ووصول الصوماليين إلى ‏أرض النوبة، والعودة ونهاية السيرة الخالدة للإمام أحمد جرى.‏

 

توحيد الجبهة الداخلية للمسلمين:‏

قام الإمام بتوحيد الجبهة الداخلية للمسلمين، وأعطى الأمان وأعلن المساواة التامة بني الجميع لا فضل ‏لعربي على صومالي إلا بالعمل والصالح، واحترام كل مجاهد في سبيل الله. وحارب الفردية والرجعية ‏والروح القبلية، ودعا إلى الإسلام والمحبة في الله.‏

وناشد الجميع العمل بجد ونشاط لبناء الاقتصاد الوطني وتدعيم النهضة وزيادة الإنتاج، وفتح المدارس ‏والمساجد لنشر الوعي الوطني بين المواطنين وإقامة الشعائر الدينية.‏

وأرسل الوفود والفقهاء إلى مختلف المناطق للدعوة إلى الإسلام وتعليم الناس وأصول الدين وتعاليم ‏الإسلام ودعاهم إلى حماية دينهم والقيام بنشر دعوة الرسول عليه السلام.‏

وبعث الأمراء إلى سائر الإمارات الإسلامية يناشدهم الوحدة أمام العدو الذي ينبغي إذلال المسلمين ونهب ‏خبراتهم، وناشدهم ألا يدفعوا أتاوات أو خراجا أو هدايا للحطى ملك الحبشة.. وأن تكون جيوش هرر ‏على استعداد تام للدفاع عن الإمارات الإسلامية إذا تعرضت لمكروه وابان لهم أن الوحدة الإسلامية أمر ‏ضروري للبقاء والمحافظة على دينهم من أيدي العابثين من النصارى.‏

ومن أجل توحيد الجبهة الإسلامية قام الإمام بعدة غزوات على التجمعات المسيحية والمقاطعات التي تقوم ‏بغزو أراضي المسلمين، وقد حدث في عهد السلطان عمر دين أن تعرض المسلمون في أرض الصومال ‏لهجمات الأحباش بزعامة طريق كبير من الجبابرة الأحباش يدعى دجلجان صهر الحطى فضرب قرى كثيرة ‏وامتدت أيدي المهاجمين من الأحباش بالسلب والنهب كما سبى أم أمير من أمراء المسلمين اسمه الأمير ‏أبو بكر فطين.‏

فخرج الإمام أحمد على رأس جيش لم يكن له الاستعدادات الكافية من ناحية التسليح، ومع هذا حقق ‏الإمام انتصارا عظيما في موقعه الدير وأسر نحو خمسمائة أسير وعاد الإمام إلى هرر منصورا مجبورا، وكان ‏عمر الإمام حينئذ واحدا وعشرين عاما.‏

وتوالت انتصارات الإمام أحمد في غزوات الفطجار وتيجي ونبارية وحرر إمارة داوارو المسلمة من نفوذ ‏النصارى، كا اتجه إلى إمارات أوفات في شمالي الصومال وكان الأحباش يسيطرون عليها بحد السيف ‏رغم أن أهلها من المسلمين إلا قليلا من النصارى، ودخل الإمام في أوفات وطرد الأحباش منها، وأعاد ‏إليها الحكم الإسلامي، وغنم المسلمون غنائم كثيرة وكان من بين الأسرى بنت خالة الملك الحبشي لبناء ‏دنجل فوهبها الإمام إلى وزيره عدولي برغبتها، ولكن ملك الحبشة قدم فدية لها تبلغ نحو خمسين أوقية ‏من الذهب الأحمر.‏

ثم اتجه الإمام إلى بلدة أنطوكية وضرب كنيستها، ودخلها سالما، وتابع سيره إلىب لدة جنديله التي ‏يملكها ملك الحبشة بحد السيف، وأغلب أهلها من المسلمين الذين قابلوا الإمام بافرح وأعانوه بعشرين ‏أوقية من الذهب صرفها في شراء مائة سيف، وشهدوا بها واقعة شيزكوره في أول رجب عام 935 هجرية ‏‏.‏

وقعد أن قام الإمام بتحرير الأراضي الصوماية من نفوذ النصارى والأحباش عاد إلى مدينة هرر قاعدة غرب ‏الصومال ومنارة الإسلام في الصومال بل في شرق أفريقيا عامة.‏

ومن هرر كرر الإمام دعوة كافة القبائل الصومالية المسلمة إلى الوحدة والترابط من أجل الوطن والدين، ‏فجامت القبائل والوفود الصومالية من كل إمارة قريبة أو بعيدة تعلن تأييدها لسياسة الإمام في الجهاد من ‏أجل الدعوة المحمدية، وكانت أول قبيلة لبت دعوته هي هبرمفدى بقيادة الزعيم أحمدب، حسين ‏الصومالي، وقد وصل الجنود بخيولهم وسلاحهم وعتادهم وهم في عزيمة وإيمان برسالة الإمام، ثم ‏تتابعت القبائل الصومالية تيؤد الكفاح المشترك والوحدة أمام أعداء الوطن والدين. ومن هذ القبائل قبيلة ‏جرى بزعامة متان بن عثمان بن خالد الصومالي وقبيلة زربة بزعامة محمد بن عمة الإمام ومعه من الفرسان ‏الصناديد 1600 رجل، وقبيلة مريحان 800 مجاهد بين فارس وراجل، ومن قبائل يونس وتولجالا وجد ‏برسى وأوجادين وغيرها، وقد تجمع في هرر آلاف من الفرسان وآلاف من المشاة من صومالي و عربي ‏كل منهم قد استقرت في نفسه الثقة بالإمام أ؛مد جرى الصومالي وافغيمان بأن لهم النصر على أعدائهم ‏النصارى.

وقد وهب الجميع أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وأرسل الإمام ما تجمع لديه من المال مع ‏وفد إلى اليمن لشراء الأسلحة والمعدات الحربية، بالإضافة إلى استلام المساعدات التي وعد بها مسلمو ‏اليمن والحاكم العثماني في الجنوب الصومالي من أسلحة وأدوات حربية ومواد التموين بالإضافة إلى ‏الأسلحة التي جلبتها السفن الصمرية كهدية من مصر إلى إمارات أوفات (في زيلع).. وعادا لوفد إلى هرر ‏مع قافلة كبيرة تحمل السلاح العثماني والمصري، وتحمل الغذاء ومواد التموين منا ليمن، مما سر له ‏الإمام وسر له الشعب،وكان له تأثير كبير في نفوس الجنود لأنهم أدركوا ما يقومون به من حروب وغزو ‏ليس لأنفسهم مكاسبه وإنما للعالم الإسلامي كله، وأن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا.‏

یستمر...

المصدر: الصومال قديماً وحديثاً، تأليف حمدي السيد سالم