من خلق العظيم الإمام الحسين عليه السلام

  • رقم الخبر 1362
  • المصدر: کتاب «الامام الحسين عليه‌السلام قدوة و اسوة»

المخلص انبعث من ضمير الإنسانية رجال، كانوا المعجزة في أقرب مفاهيمها، وأصدق معاييرها، وفي أسني تألقها، وأبهي تجليها. لا شك في أنها كانت آية ظاهرة، تهدي إلي قوة قاهرة وراء الغيب لتنير الكون، وتدفعه إلي سُبله المستقيمة، تدعو إلي التصديق الواعي، بحقيقة أخري غير هذه المادة، وغير ملابساتها الظاهرية، تلك هي حقيقة الخالق العليم.(بِنا عُرف الله).


انبعث من ضمير الإنسانية رجال، كانوا المعجزة في أقرب مفاهيمها، وأصدق معاييرها، وفي أسني تألقها، وأبهي تجليها. لا شك في أنها كانت آية ظاهرة، تهدي إلي قوة قاهرة وراء الغيب لتنير الكون، وتدفعه إلي سُبله المستقيمة، تدعو إلي التصديق الواعي، بحقيقة أخري غير هذه المادة، وغير ملابساتها الظاهرية، تلك هي حقيقة الخالق العليم.(بِنا عُرف الله).وليس من شك في أن للمسلمين أحظي نصيب من هذا النمط البالغ في سنائه وبهائه حدّ المعجزة الخارقة، من الأبطال البارعين.فالنبي محمد (صلي الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، قممٌ لاشك في مجدها وسموقها - لِسِلسلة شاهقة من جبال لا يرقي إليها الطير، وسامقات متأصلات كانت تحمل هم وشرف الحقيقة وأوتاد صعيد الفكر. ومن قمم هذه السلسلة المباركة الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي استقر في أشمخ وأروع قمة بعد النبي (صلي الله عليه وآله)، وبعد الوصي (عليه السلام).

 

الكريم السخي

جاء إلي الإمام الحسين (عليه السلام) أعرابي فقال: يا بن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس. وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول الله (صلي الله عليه وآله).فقال له الحسين (عليه السلام): (يا أخا العرب، أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل).فقال الأعرابي: أمثلك يسأل مثلي، وأنت من أهل العلم والشرف!؟فقال الحسين (عليه السلام): (بلي، سمعت جدي رسول الله (صلي الله عليه وآله) يقول: المعروف بقدر المعرفة).فقال الأعرابي: سل عما بدا لك، فإن أجبت وإلاّ تعلمت منك، ولا قوة إلاّ بالله.

فقال الحسين (عليه السلام): (أي الأعمال أفضل؟).فقال الأعرابي: الإيمان بالله.فقال الحسين (عليه السلام): (فما النجاة من الهلكة؟).فقال الأعرابي: الثقة بالله.فقال الحسين (عليه السلام): (فما يزين الرجل؟).فقال الأعرابي: علم معه حلم.فقال (عليه السلام): (فإن أخطأه ذلك؟).فقال: مالٌ معه مروءة.قال: (فإن أخطأه ذلك؟).فقال: فقرٌ معه صبر.فقال الحسين (عليه السلام): (فإن أخطأه ذلك؟).فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فإنه أهل لذلك.فضحك الحسين (عليه السلام) وأعطاه صرّة فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه، وفيه فص قيمته مئتا درهم، وقال: (يا أعرابي! أعط الذهب إلي غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك).فأخذ الأعرابي ذلك وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته [1] .

 

عون الضعفاء

وهذه صفة تأتي كالفرع الذي سبقها من سجية الكرم، فإن النفس إذا بلغت رفعتها المأمولة حنَّت علي الآخرين حنان السحابة علي الأرض والشمس علي الكواكب.

وُجد علي كاهله الشريف بعد وقعة الطف أثراً بليغاً كأنه من جرح عدة صوارم متقاربة، وحيث عرف الشاهدون أنه ليس من أثر جرح عاديّ، سألوا علي بن الحسين (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال: (هذا مما كان ينقل الجراب علي ظهره إلي منازل الأرامل واليتامي والمساكين) [2] .

وقال (عليه السلام) يرغب الناس في الجود:إذا جادت الدنيا عليك فجُدْ بها علي الناس طرّاً، قبل أن تتفلتِفما الجود يفنيه إذا هي أقبلت وما البخل يبقيها إذا هي ولــتِوفعلاً كان الحسين (عليه السلام) العامل قبل أن يكون القائل، وسأتلو عليكم هذه القصة.

دخل (عليه السلام) علي أسامة بـن زيد وهو علي فراش المرض يقول: واغمَّاه، فقال: (وما غمَّك يا أخي؟) قال: دَيني وهو ستون ألف درهم. فقال: (هو عَلَيّ) قال: إني أخشي أن أموت قبل أن يُقضي، قال: (لن تموت حتي أقضيها عنك، فقضاها قبل موته) [3] .

 

الشجاع والبطل

نعتقد نحن الشيعة أن الأئمة الأثني عشر قد بلغوا القمة من كل كمال، ولم يَدعو مجالاً للسمو إلاّ ولجوه فكانوا السابقين. بيد أن الظروف التي مرّوا بها كانت تختلف في إنجاز مؤهلاتهم بقدرها، وطبقاً لهذه الفلسفة فإن كل واحد منهم اختص بصفة مميَّزة بين الآخرين.

وإن ميزة الإمام الحسين (عليه السلام) هي الشجاعة والبطولة بين سائر الأئمة (عليه السلام).وكلما تصور الإنسان واقعة كربلاء ذات المشاهد الرهيبة، التي امتزج فيها الدمع بالدم، ويلتقي بها الصبر بالمروءة، والمواساة بالفداء، لاحت بسالة أبرز أبطالها الإمام الحسين (عليه السلام)، في أروع وأبهي ما تكون بطولة في التاريخ. ولولا ما نعرفه في ذات الإمام من كفاءاته البطولية التي ورثها ساعداً عن ساعد، وفؤاداً عن فؤاد، ولولا الوثائق التاريخية التي لا يخالجها الشك، ولولا ما نعتقده من أن القدوة الروحية لابد أن تكون آية الخلق ومعجزة الإله فلربما شككنا في كثير من الحقائق الثابتة التي يذهل دونها العقل، والفكر، والضمير.

كان الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الطف ينزل إلي المعركة في كل مناسبة فيكشف إسراف الخيل، لتفصح عن جثمان صحابي أو هاشمي يريد بلوغ مصرعه.ولربما احتدم النزاع عنيداً شديداً بينه وبينهم وهو يحاول بلوغ مصرع من يريده. فكانت تعد كل محاولة له من هذا النوع هجمة فريدة، ومع ذلك كان يكرر ذلك كل ساعة حتي قُتل أصحابه، وأبناؤه، وإخوانه جميعاً.والمصيبة ذاتها كانت مما يُنيل من قوة الإنسان، كما تفُلّ من عزيمته، والعطش والجوع يضعفان المرء، ويذهبان بكل طاقاته، والحر سبب آخر يأخذ جهداً من المرء كثيراً.

ويجتمع كل ذلك في شخص الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، ومع ذلك فإنه يلبس درعاً منصفاً، ذو واجهة أمامية فقط، ويهجم علي الجيش الضاري، فإذا به كالصاعقة تنقض فيتساقط علي جانبيه الأبطال كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف.

فيقول بعض من حضر المشهد: إنه ما رأيت أشجع منه، إذ يكر علي الجيش، فيفر أمامه فرار المعزي عن الأسد، وذلك في حين أنه لم يكن آنذاك أفصح منه إنساناً.وحينما نرجع بالتاريخ إلي الوراء نجد من الإمام الحسين (عليه السلام) بطولات نادرة في الفتوحات الإسلامية. ثم في حروب الإمام علي (عليه السلام). إلاّ أنها مهما بلغت من القوة والاصالة فإنها لا تبلغ شجاعته يوم عاشوراء، تلك التي كانت آية رائعة في تاريخ الإنسانية بلا شك.يقول العقاد: وليس في بني الإنسان من هو أشجع قلباً ممن أقدم علي ما أقدم عليه الحسين في يوم عاشوراء [4] .

 

الصابر الحكيم

الصبر هو استطاعة الفرد علي ضبط أعصابه في أحرج موقف. ولا ريب أن الإمام الحسين (عليه السلام).كان يوم عاشوراء في أحرج موقف وقفه إنسان أمام أعنف قوة، وأقسي حالة.ومع ذلك فقد صبر صبراً تعجَّبت ملائكة السماء من طول استقامته، وقوة إرادته، ومضاء عزيمته..

جني عليه غلام جناية توجب العقاب، فأمر به أن يُضرب، فقال: يا مولاي! (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)[سورة آل عمران: الآية 134] قال: (خَلُّوا عنه) فقال: يا مولاي! (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)[سورة آل عمران: الآية 134] قال: (قد عفوت عنك) قال: يا مولاي (وَالله يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ)[سورة آل عمران: الآية 134] قال: (أنت حر لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك) [5] .

 

الفصيح البديه

لقد زخرت الكتب التاريخية بنوادره الرائعة من كلمات فصيحة يحسدها الدر في ألمع نضارته، وآلق روعته. وقد جُمع ذلك في كتب برأسها، إلاّ أني ذاكر لك الآن شيئاً قليلاً منها.

أبعد عثمانُ الصحابيَّ الكبيرَ أبا ذر (رض)، فشيَّعه عليٌّ وابناه (عليهما السلام)، فقال الإمام الحسين بالمناسبة:(يا عمَّاه، إن الله قادر أن يغير ما قد تري. والله كل يوم في شأن. وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك، وما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم إلي ما منعتهم. فاسأل الله الصبر والنصر، واستعن به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدِّين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً) [6].

 جاء إليه أعرابي فقال: إني جئتك من الهرقل والجعلل والأنيم والمهمم. فتبسم الحسين (عليه السلام) وقال: (يا أعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله إلاّ العالمون).فقال الأعرابي: وأقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي علي قدر كلامي؟ فأذِن له الحسين (عليه السلام) في ذلك فأنشد يقول:هفا قلبي إلي اللهو وقد ودع شرخيـــــهإلي تسعة أبيات علي هذا الوزن.فأجابه الحسين (عليه السلام) مثلها متشابهات منها:فما رسم شيطاني قد تحت آيات رسميةسفور درّجت ذيليــن في بوغاء فاعليـــةثم أخذ يفسر ما غمض من كلامه فقال:(إما هرقل: فهو ملك الروم، والجعلل: فهو قصار النخل، والأنيم: بعوض النبات، والمهمم:القليب الغزير الماء).وهذه كانت أوصاف الأرض التي جاء منها.فقال الأعرابي: ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاماً، وأذرب لساناً، ولا أفصح منه منطقاً [7].

 

الهوامش

[1] أعيان الشيعة: ج 4 ص 29 للسيد محسن الأمين.

[2] أعيان الشيعة: ج 4 ص 132 السيد محسن الأمين.

[3] أعيان الشيعة: ج 4 ص 126 السيد محسن الأمين.

[4] أبو الشهداء: عباس محمود العقاد ص 46.

[5] الفصول المهمة: ص 159.

[6] روضة الكافي: ص 207.

[7] أبــو الشهداء: عباس محمود العقاد، نقلاً عن كتاب مطالب المسؤول لمحمد بن طلحة الشافعي: ص 73.

 

المصدر: کتاب «الامام الحسين عليه‌السلام قدوة و اسوة»، محمدتقي مدرسي.