علاقة المسلم بنبيه و آله عليهم ‌السلام فی قول الرضا علیه السلام

  • رقم الخبر 1275
  • المصدر: الإمام الرضا عليه السلام سيرة و تاريخ

المخلص خلّف لنا الإمام الرضا عليه‌السلام مجموعة قيمة من التعاليم والوصايا التربوية والحضارية لكي تنير لنا الطريق، وتصنع في النفوس المؤمنة صنيع الغيث في التربة الكريمة، وتساعد الإنسان المسلم عند مراعاتها على إرتقاء سلَّم القيم أو على الأقل ترميم ماتهدم منها.


الولادة الرضا علیه السلام

يوجد اختلاف بين المحدثين الشيعة في تحديد اليوم والشهر والسنة التي ولد فيها الإمام الرضا عليه‌السلام: فقيل إن مولده كان بالمدينة سنة ١٤٨ هـ (١) وروى الصَّدوق أنه ولد بالمدينة يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ١٥٣ هـ بعد وفاة أبي عبد اللّه عليه‌السلام بخمس سنين (٢). أما المحقق الأربلي فيساند هذا الرأي، ولكن يذكر أنه ولد في الحادي عشر من ذي الحجّة (٣). وأشار الشيخ الطبرسي إلى القولين ولكن لم يرجح أحدهما (٤).

 

النشأة الرضا علیه السلام

نشأ الإمام الرضا عليه‌السلام بين أحضان بيت أذهب اللّه تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، فهو ابن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام الذي كان (أعبد أهل زمانه وأفقههم وأسخاهم كفّا، وأكرمهم نفسا ... وكان الناس بالمدينة يُسمونه زين المتهجِّدين، ويعرف بالعبد الصالح) (5).

ولما كانت الفروع تتبع الأصول، والأصل الطيب يعطي ثمرا طيبا فمن الطبيعي والحال هذه أن يتحلى الابن بتلك الصفات الطيبة والخصال الحميدة، يقول الشيخ المفيد: «كان ـ أي الرضا عليه‌السلام ـ أفضل ولد أبي الحسن موسى: وأنبهَهُم وأعظمهُم قدرا وأعلمهم وأجمعهم فضلاً» (6).

أما أمه فعلى الرغم من وجود الاختلاف في اسمها وكنيتها، فهناك اتفاق على كونها من أفضل نساء زمانها من حيث العقل والدين.

قيل: تسمى الخيزران، وقيل: أروى، وتلقب بشقراء النوبية. وقيل أمّه أم ولد يقال لها أمّ البنين وقيل: اسمها تكتم، وقد يرجَّح ان الأخير هو اسمها، وما سبقه ألقاب لها، ويستدل لهذا بقول بعض مادحي الإمام:

ألا إن خير الناس نفسا ووالدا

ورهطا وأجدادا علي المعظم

أتتنا به للعلم والحلم ثامنا

إماما يؤدّي حجة اللّه (تكتم) (7)

ولقد تناهت شخصية الإمام الرضا عليه‌السلام في السمو والجلال حتى تطرزت بألقاب لامعة، تعكس جوانب مختلفة من أخلاقه وآدابه، منها: الصابر والرضي، والوفي، والزكي، والولي، ونور الهدى، وسراج اللّه، والفاضل، وقرّة عين المؤمنين، ومكيد الملحدين، وأشهر ألقابه عليه‌السلام هو الرّضا (8).

قيل: إن المأمون العباسي هو الذي أطلق عليه لقب «الرّضا» حين عهد إليه ولاية العهد، ولكن الإمام أبا جعفر الجواد عليه‌السلام قد نفى ذلك بشدة، فعن البزنطي، قال: قلت لأبي جعفر عليه‌السلام ان قوما من مخالفيكم يزعمون أن أباك انما سمّاه المأمون الرّضا لما رضيه لولاية عهده، فقال: «كذبوا واللّه وفجروا بل اللّه تبارك وتعالى سمّاه الرضا لأنه كان رضيّ اللّه عزّوجلّ ورضي رسوله والأئمة بعده في أرضه». قال: فقلت له: الم يكن كل واحد من آبائك الماضين رضيّ اللّه عزّوجلّ ورسوله والأئمة بعده؟ فقال: «بلى»، فقلت: فلم سمّي أبوك عليه‌السلام من بينهم الرضا؟ قال: «لأنه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه عليهم‌السلام فلذلك سمّي من بينهم الرضا» (9).

كان يكنى بأبي الحسن، وورد على لسان بعض الرواة أبو الحسن الثاني، قال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح ـ يعني الإمام الكاظم عليه‌السلام ـ فقال: «يا علي بن يقطين، هذا علي سيد ولدي، اما أنه قد نحلته كنيتي» (10).

 

اسلوب من أساليب التربوية وتعاليم الراقية الرضا علیه السلام

خلّف لنا الإمام الرضا عليه‌السلام مجموعة قيمة من التعاليم والوصايا التربوية والحضارية لكي تنير لنا الطريق، وتصنع في النفوس المؤمنة صنيع الغيث في التربة الكريمة، وتساعد الإنسان المسلم عند مراعاتها على إرتقاء سلَّم القيم أو على الأقل ترميم ماتهدم منها.

 

علاقة المسلم بنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام:

لا بدّ للمسلم السويّ من أن يوطّد علاقته بأولياء أمره الذين فرض اللّه طاعتهم، فهم حجج اللّه تعالى ووسيلته إلى رضوانه والشفعاء في يوم حسابه. وتوطيد العلاقة معهم يتأتى من خلال الاقتداء بهديهم والتأسّي بهم، وفي طليعتهم الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، يقول أمير المومنين عليه‌السلام موصيا: «اقتدوا بهدى نبيِّكم فإنَّه أفضل الهدى، واستنُّوا بسنَّته فإنَّها أهدى السُّنن» (11) وهنا يرشدنا الإمام الرضا عليه‌السلام إلى دوام الصلاة على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرفانا بالجميل، وتقديرا للجهود الجبارة التي بذلها من أجل أمته: عن عبيداللّه بن عبداللّه الدّهان، قال: دخلت على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام فقال لي: «ما معنى قوله: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (1٢)» قلت: كلّما ذكر اسم ربّه قام فصلّى، فقال لي: «لقد كلّف اللّه عزَّوجلَّ هذا شططا» فقلت: جعلت فداك فكيف هو؟ فقال: «كلّما ذكر اسم ربّه صلّى على محمّد وآله» (13).

أما أهل البيت عليهم‌السلام فهم شمس الهداية الأبدية لهذه الأمة وسفن نجاتها، وفي هذا المورد يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام: «انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سَمْتَهُم واتَّبعوا أثَرهم، فلن يُخرجوكم من هُدى، ولن يُعيدُوكم في ردى» (14)، ويرشد الإمام الرضا عليه‌السلام شيعته إلى إحياء ذكر أهل البيت عليهم‌السلام وإقامة مجالس العزاء تثمينا للتضحيات الجسام التي بذلوها والمصائب العظام التي لاقوها في سبيل إعلاء كلمة الدين: عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، قال الرضا عليه‌السلام: «من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» (15).

وهذا الحديث فيه أسلوب تربوي قيم يُعمق من رابطة الولاء بين المسلم وأئمته عليهم‌السلام، فإدامة ذكرهم وذكر مصائبهم تُنمي في وعيه ووجدانه الأفكار والمفاهيم الإسلامية الصحيحة، فتنطلق في داخله ينابيع العواطف الإنسانية الخيرة، إضافة إلى المعطيات الايجابية التي يحصل عليها يوم الحساب حيث الثواب الجزيل.

 

***

الإخوة المؤمنون...

السلام علي سيدنا ومولانا غريب طوس الإمام الرضا المرتضى الراضي بالقدر والقضاء سيدنا ومولانا وفقنا الله في الدنيا لزيارته ورزقنا الله في الأخرة شفاعته وشفاعة أبائه وأبنائه الكرام، ورحمت الله وبركاته.

نتقدم التهاني والتبريكات، إلى المسلمين في العالم الإسلامي بذكرى الميلاد المبارك الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، هذه اليوم من ايام الفرح والبهجة والسرور.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمعرفة أئمتنا عليهم السلام، حق معرفتهم وأن نخطو خطاهم، وأن نتمسك جميعاٌ بنهجهم المبين وصراطهم المستقيم والسليم، وأن نسلِّم لأمرهم تسليما.. ونطلب من الله ا ن يوفقنا لذالك وان لا يحرمنا زيارتهم وثم ذلك شفاعتهم في الدنيا والآخرة، وأن يحشرنا في زمرتهم معهم لامع غيرهم، ومن الله التوفيق.

 

***

الهوامش

(١) انظر: الإرشاد ٢: ٢٤٧، والكافي ١: ٤٨٦ / ١١.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١: ٢٨، ح ١، باب (٣).

(٣) كشف الغمّة ٣: ٥٣.

(٤) اعلام الورى ٢: ٤١.

(5) انظر: الارشاد ٢: ٢٣١، ٢٣٥.

(6) الارشاد ٢: ٢٤٤.

(7) راجع: الارشاد ٢: ٢٤٧، اعلام الورى ٢: ٤١، دلائل الإمامة: ٣٤٨.

(8) دلائل الإمامة: ٣٥٩، الإمام الرضا عليه‌السلام، لقبه.

(9) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١: ٢٢، ح١، باب (١).

(10) روضة الواعظين / الفتال النيسابوري ١: ٢٢٢.

(11) نهج البلاغة / تحقيق: السيد جعفر الحسيني، خطبة ١١٠.

(12) سورة الأعلى: ٨٧ / ١٥.

(13) اُصول الكافي ٢: ٤٩٤ ـ ٤٩٥ / ١٨ باب.

(1٤) نهج البلاغة، خطبة ٩٧.

(1٥) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١: ٢٦٤ / ٤٨ باب (٢٨).

 

المصدر: مخلص من کتاب الإمام الرضا عليه السلام سيرة وتاريخ/ عبّاس الذهبي/ مركز الرسالة/ المطبعة: ستاره