صفحات مطوية من تاريخ جزر القمر (1)

  • رقم الخبر 1234
  • المصدر: منارات إفريقية

المخلص لا ينتمي سكّان جزر القمر إلى سلالة بعينها، بل هم مزيّة معقدة من أصول مختلفة وعناصر متنوعة من البانتو والعرب والإندونيسيين والملاويين والهنود والصينيين، ويظهر ذلك بجلاء في ملامح السّكّان، فقد نشأت عن اختلاط هذه العناصر.


مقدمة:

إنّ المفارقة اللافتة للنظر حقا هي أنّ كثيرا من الدارسين والباحثين المتخصصين قد انصرفوا عن البحث في تاريخ جزر القمر، وذلك على الرغم ممّا كانت تمثله الجزر عبر أزمان التاريخ المختلفة من بوتقة انصهرت فيها أجناس عديدة استطاعت أن تكتب تاريخا مضيئا امتدّ عمره لقرون غائرة في القدم، حيث كانت الجزر ولا تزال تمثّل عتبات من اليابس شمال غربيّ قناة موزمبيق، عند منتصف الطريق بين قارة إفريقية وجزيرة مدغشقر، الأمر الّذي لم يكن لييسر لها أمورها بحال من الأحوال بأن تظلّ بمنعزل عن سير حوادث التاريخ بتلك البقعة المهمّة من المحيط الهنديّ، وبقدر مشاركة الجزر الزّاخرة في تاريخ القارة الإفريقيّة والمحيط الهنديّ بصفة خاصّة، والتاريخ العالميّ بصفة عامّة، بقدر ما يأسف المرء على ندرة الدراسات المتخصّصة والمتعلقة بتاريخها، وهو ما أصاب تاريخها بكثير من الغموض، وكذا الخلط الواضح في أغلبه بين الحقيقة والافتراء، ولا غرابة بعد ذلك كلّه أن صار طيّ النسيان.

والواقع أنّ كتابة التاريخ حتّى الآن لم تعط سوى القليل من العناية لهذه الجزر في الوقت الّذي لا نشك في الدور التاريخيّ الّذي لعبته جزر القمر على مدار حقب تاريخها الطويل نتيجة لموقعها الجغرافيّ الفريد، خاصّة لمواجهتها لساحل شرقيّ إفريقية، وكذا مجاورتها لجزر المحيط الهنديّ، ولا سيّمّا جزيرة مدغشقر، وجزر ريونيون وموريشيوس وسيشل وزنجبار وبمبا وغيرها من جزر غربيّ المحيط الهنديّ، وقد شكّلت جزر القمر نقاطا مهمّة بالنسبة للسفن المتّجهة لساحل شرقيّ إفريقية، وكذلك المبحرة صوب الهندي.

ومن ثمّ عدّت جزر القمر خلال العصر الاستعماريّ حلقة من حلقات التنافس الاستعماريّ الفرنسيّ البريطانيّ التقليديّ من أجل السيطرة على الطريق المؤدي إلى الهند هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاستحواذ والسيطرة على النقاط الاستراتيجيّة المهمّة الّتي كانت تعدّ بمثابة نقاط تلتقي عندها البحار والخلجان، وكذا أطراف قارتي إفريقية وآسيا خلال القرن التاسع عشر الميلاديّ.

وما فتئ أرخبيل القمر أن شكّل خلال تاريخه موقعا متقدما للثقافة العربيّة والإسلاميّة على طول السّاحل الشرقيّ لقارة إفريقية غربيّ المحيط الهنديّ، ومن ثمّ فلم يكن من الممكن أن يظلّ تاريخ جزره غائبا هكذا عن الذاكرة العربيّة، وأن تخلو المكتبة العربيّة تماما من أيّ مصدر متخصص يكشف لنا عن هذا التاريخ، الّذي أعتبر طيّ المجهول والنسيان.

 

الموقع، امتداد:

يمتدّ أرخبيل القمر من الشمال الغربيّ إلى الجنوب الشرقيّ عبر النهايّة الشماليّة لقناة موزمبيق، بين دائرتي عرض 20.11، و 4.13 جنوبا، وبين خطيّ طول 11.43، و 19.45 شرقا، على مساحة بحريّة تقدر بنحو 26000كم2.

 

سبب التّسميّة:

تثار تساؤلات عن سبب تسميّة جزر القمر بهذا الاسم، في الوقت الّذي لم تصل فيه المصادر العربيّة إلي سبب واحد لتلك التّسميّة، أو حتّى أنّها ذكّرت اسما آخر لها، ونتيجة لذلك تضاربت الآراء وتباينت حول سبب التّسميّة، فهناك من ينسبها إلي القمر، وذلك بدعوى أنّ الشكل العام للجزر يشبه الهلال، كما أنّ أهم الجزر أربعة موزعة بنظام في مواقع متخذة شكل أربعة من أوجه القمر الرئيسيّة، لذا سمّاها العرب بهذا الاسم، وربّما أيضا لأنّ هذه المنطقة من نصف الكرة الجنوبيّ، والّذي اصطلح عليه فلكيا باسم طريق التّبانة (The Milky Way)، وهي مليئة بالسحب، ولم يكن ضوء القمر يظهر بها بوضوح إلا في تلك الجزر من المحيط الهنديّ.

على أنّ هناك من يفترض أنّه ربّما كانت كلمة كومورو، كلمة من العاميّة السّواحيليّة بمعنى (النار الّتي تأتى) نتيجة لثورانات بركانيّة، ويذهب رأي آخر إلي احتمال أن تكون جزر القمر قد استقت اسمها من قبيلة القمر الّتي كانت تستوطن جنوب شبه الجزيرة العربيّة، وهي تمثّل الآن في عمان من قبل بني ريام (Bani.Ryam) في جبل القادر، وكذلك من قبل بني حديد، في حين ينسبها أحمد بن ماجد(1).

إلي قامران بن عامر بن سام بن نوح - عليه السلام- غير أنّه نطقها القمر(بضم القاف)، فيقول: وجزيرة القمر منسوبة لقامران بن عامر بن نوح، وينطقها ياقوت الحمويّ القمر (بضمّ القاف وسكون الميم)، وذلك بدعوى أنّها نسبة إلى طائر القمريّ، حيث ينتشر بكثرة في أرجاء جزيرة القمر، فيذكر: إنّ القمر بالضم ثمّ السكون جمع أقمر وهو الأبيض شديد البياض، ومنه سمّى القمري من الطير، وقمر بلد بمصر، والقمر أيضا جزيرة في وسط بحر الزنج، وليس في ذلك البحر جزيرة أكبر منها، فيها عدة مدن وملوك كلّ واحد يخالف الآخر.

وعلى أيّة حال فإنّ العرب الأولين ينطقونها القمر(بضمّ القاف وسكون الميم) وقد تحرّك الميم فتلفظ  قمر(بضمّ الميم)، غير أنّه صار من الشائع تداول لفظة القمر(بفتح القاف والميم)، ومنها أخذ الأوروبيون لفظة كومورو(Comoro) وذلك بعد أن حرّفوها من اللفظة العربيّة.

 

*أهم المجموعات العرقيّة بجزر القمر:

لا ينتمي سكّان جزر القمر إلى سلالة بعينها، بل هم مزيّة معقدة من أصول مختلفة وعناصر متنوعة من البانتو والعرب والإندونيسيين والملاويين والهنود والصينيين، ويظهر ذلك بجلاء في ملامح السّكّان، فقد نشأت عن اختلاط هذه العناصر، خاصّة البانتو و الملجاش والماليزيين سلالة تعرف بالعرق القموريّ أو القمريّ، ونتج عن هذا الاختلاط في جزيرة مايوت ما عرف بالعرق الماهورى، ومن ثمّ تعددت اللغات واللهجات القمريّة.

وأهم المجموعات الّتي تسكن جزر القمر حاليا هي:

1- العرب: هم يشكّلون نحو ثلث السّكّان، وتعود صلتهم بجزر القمر إلى فترة ما قبل الإسلام، وقد جاءوا من جنوبيّ شبه الجزيرة العربيّة ومنطقة الخليج العربيّ خاصّة من عمان وحضرموت واليمن، وينسب للعرب فضل نشر الدين الإسلاميّ بين ربوع جزر القمر.

2- الأفارقة: وهم يمثّلون 55% من السّكّان تقريبا، ويعتقد أنّهم جاءوا بصحبة التّجّار العرب من ساحل شرقيّ إفريقية إلى جزر القمر، وهذه الفئة  تتمثل في الماكوا (Makuas) والكافيرز (Cafres).

3- الشيرازيون: وفدوا إلى جزر القمر من شيراز ببلاد فارس خلال القرن الخامس عشر الميلاديّ بسبب النزاعات المذهبيّة، وقد اختلطوا بالعرب والأفارقة، وهم يشكّلون نحو5.3% من إجماليّ السّكّان.

4- الجماعات البولينزيّة، أوالملاويّة: وتشمل الواماتساها(Wamtsaha)، وهم خليط من البوشمن والجنس الماليزي، وهم يقطنون جزيرة أنجوان، ثمّ الأنتالوتس(Antalotes)، وهم عبارة عن خليط من الدماء الملجاشيّة- ذات الأصول الملاويّة -، والدماء العربيّة، الّتي وفدت من البحر الأحمر والخليج الفارسيّ، وتشكّل هذه الجماعات نحو 6% من إجماليّ السكان.

بالإضافة إلى هذه المجموعات العرقيّة السابقة هناك فئة صغيرة من السّكّان جاءت نتيجة لتزاوج المستوطنين الفرنسيين مع السّكّان المحليين، ويعرفون باسم الكرويول(Creoles)، ولهذه الفئة نفوذ سياسي بارز في جزيرة مايوت الّتي لا تزال خاضعة للإدارة الفرنسيّة، كما توجد أيضا فئة ضئيلة تنحدر من أصول برتغاليّة، وهم أحفاد البحّارة البرتغاليين الّذين نزلوا جزر القمر في مطلع القرن السادس عشر الميلاديّ، وتشكّل هاتان الفئتان معا أقل من 5.0 % من إجماليّ السّكّان.

هذا ويدين معظم سكّان جزر القمر بالدين الإسلاميّ، عدا فئة ضئيلة مسيحيّة من الكرويول، وهى تتركز في جزيرة مايوت كما سبق ذكره.

 

* الهامش:

* معهد البحوث والدراسات الإفريقية _ جامعة القاهرة.

 (1) هو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد بن فضل بن دويك بن يوسف بن حسن بن الحسين بن أبي معلق السعدي بن أبي الركائب النجدي، ملاح عربي مسلم عالم في فنون البحر والفلك، عاش في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، وأوائل القرن العاشر الهجري، وعلى أرجح الاحتمالات كان مولده في عام 840 هـ، في جلفار، وهي ما تعرف اليوم بمدينة رأس الخيمة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وكان لابن ماجد الدور الكبير، بل عدّ السبب الوحيد والرئيسي لوصول البرتغالي فاسكو دى جاما لساحل الهند عام 1498م، ولأحمد بن ماجد العديد من المؤلفات ما يربو على الخمسة والعشرين مؤلفا، ومن أشهرها ثلاثة أزهار في علوم البحار، وكتاب الفوائد في أصول علم البحر والفوائد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

کاتب: زين العابدين محمد كمال عبد الحميد

المصدر: موقع التاريخ

تاريخ النشر: 2007-10-31.

 

المصدر: منارات إفريقية، موقع متخصص في شؤون الإسلام والدعوة الإسلامية في إفريقيا